الباب التاسع: البيت المؤقت يتحول إلى مركز رحمة
وما إن استقر الخبر، وأفاق الأطفال واحدًا بعد آخر على أن أختًا جديدة قد جاءت، حتى بدأ البيت المؤقت يؤدي وظيفةً أكبر من السكن. فالناس في البلاد الجديدة كانوا يرقبون هذه الأسرة…
كل باب في الرواية أصبح صفحة مستقلة. يمكنك قراءته مباشرة أو العودة إلى الفصل المرتبط به.
وما إن استقر الخبر، وأفاق الأطفال واحدًا بعد آخر على أن أختًا جديدة قد جاءت، حتى بدأ البيت المؤقت يؤدي وظيفةً أكبر من السكن. فالناس في البلاد الجديدة كانوا يرقبون هذه الأسرة…
ولأن البيوت الحية لا تعيش الولادات على مستوى الكبار فقط، فقد كان لكل طفلٍ من أولاد صفية طريقته في استقبال فاطمة. عبدالملك اقترب منها أولًا في وقارٍ عجيب، ونظر إليها طويلًا ثم سأل:…
بعد أيامٍ من استقرار صفية نسبيًا، واطمئنانهم إلى فاطمة، عاد الرجال إلى ترتيب أولويات البناء على الأرض الجديدة، لكن هذه المرة كان القرار أسرع وأوضح. فولادة البنت في البوسنة جعلت…
ولم يكونوا في تأسيسهم من أولئك الذين يرون الرحمة نقيضًا للإعداد، أو المسجد خصمًا لميدان الفروسية. بل كانت رؤيتهم، كما ثبت في الأصل، أن القرآن والأفق والسيف والعدل ينبغي أن يخرجوا…
أما صفية، فعلى رغم تعبها ووليدتها الصغيرة، فقد بدأت من الأيام الأولى في البوسنة تؤسس —من غير أن تعلن ذلك بهذا اللفظ— لشيءٍ سيكبر لاحقًا حتى يصير من أكبر وجوه عهدها وعهد بيتها:…
بعد أيامٍ من الولادة، هدأ البيت قليلًا. نام الصغار في مواضعهم، وخفتت الحركة، وسكنت فاطمة بعد رضعتها. خرجت صفية، على ضعفها، خطواتٍ قليلة إلى خارج الموضع الذي تقيم فيه، وجلس معها…
وهكذا لا تنتهي ولادة فاطمة في هذا البناء على أنها حادثةُ أسرةٍ كبرت فقط، بل على أنها الخاتمة التي أغلقت طور بخارستان، والعتبة التي فُتحت عليها البوسنة من الداخل. فالبنت التي حُمِل…
لم يأتِ يوم جلوس سعيد على الحكم كما تأتي أحلام الطامعين؛ لا على صهوة ضجيجٍ أجوف، ولا على وقع أبواقٍ تريد أن تقنع الناس أن التاريخ صُنع في ساعةٍ واحدة، بل جاء كما تأتي الثمار…
ليست كل سلطةٍ تُنتزع بالسيف، ولا كل حكمٍ يقوم لأن رجلًا اشتهى أن يجلس. بعض الأحكام تولد لأن الناس —بعد طول فوضى أو ضعف— يبدأون في النظر إلى رجلٍ بعينه بوصفه الموضع الذي تجتمع فيه…
وإذا كان الناس قد بدأوا يلتفتون إلى سعيد من جهة العدل والتنظيم والرؤية، فإنهم كانوا يلتفتون في الوقت نفسه إلى صفية من بابٍ آخر لا يقل خطرًا: باب القلوب. فالنساء اللواتي عرفنها في…
لم يجلس سعيد على الحكم لأن القلوب همست باسمه في البيوت فقط، بل لا بد في عالم السياسة من لحظةٍ يظهر فيها التوافق الكبير، أو يخرج فيها التصدع إلى العلن. ولهذا جاء مجلس الوجهاء…
وما إن بدأ اسم سعيد يثبت في المجالس على هذا النحو، حتى خرجت من الظلال أولى الأفاعي. فالحكم، وإن جاء نتيجة بناء، يظل عند أصحاب النفوس السوداء كأنه قطعة لحمٍ تُخرج المخبوء من…
في الليلة السابقة لإعلان الجلوس الرسمي، لم ينم سعيد نومًا حقيقيًا. ولم يكن سهره من فرحٍ متوتر كما يسهر طالبو الرفعة، بل من ثقلٍ أدركه الرجل بقلبه كله. خرج إلى طرف الأرض قرب الموضع…
طلع الصباح. ولم يكن صباحًا من تلك الصباحات التي تتكلف الأبهة لتغطي هشاشة الداخل، بل كان صباحًا مهيبًا ببساطته. اجتمع الناس، وجاء الوجهاء، وحضر أهل القرى، وتقاطر من استطاع من…
ولما استقر به المجلس، وسكتت الأصوات، تكلم سعيد. ولم يكن خطابه الأول طويلًا من النوع الذي يحب فيه الناس سماع أنفسهم أكثر من سماع الحقيقة، بل كان محكمًا، واضحًا، يزن الكلمات كما يزن…
أما النساء، فلم يقرأن ذلك اليوم بالطريقة نفسها التي قرأه بها الرجال. فالرجال رأوا الجلوس على الحكم، ورأوا المجلس والبيعة والخطاب والهيبة. أما النساء، فكثيرٌ منهنّ نظرن إلى صفية.…
ولم يمهلهم القدر طويلًا حتى أرسل أول اختبار. فبعد أيامٍ قليلة من الجلوس، جاءهم خبر اضطرابٍ في طرفٍ من الأطراف، ليس تمردًا كبيرًا بعد، لكنه علامة على أن بعض القوى الداخلية…
وفي البيت، كان اليوم الكبير يمر على الأطفال بطريقةٍ أخرى تمامًا. فعبدالملك أحس أن أباه صار أكثر انشغالًا وهيبةً، لكنه لم يفهم بعد كيف يترجم ذلك كله. وأحمد كان أقرب إلى التباهي…
وهكذا انتهى اليوم الذي جلس فيه سعيد على الحكم. لكنه، في الحقيقة، لم يكن نهاية طورٍ بقدر ما كان أول سطرٍ في طورٍ أثقل. جلس الرجل بعد أربع سنواتٍ من البناء الصامت، لا ليبدأ من…
لم تكن السنة الأولى من حكم صفية سنةَ استعراضٍ لأنثى بلغت مقامًا يندر أن تبلغه النساء، ولا سنةَ دهشةٍ سطحية عند الناس: كيف جلست؟ وكيف تكلمت؟ وكيف دخلت إلى مجالٍ كان الرجال يزعمون…
منذ أول الشهور، عرفت صفية أن البلاد المكسورة لا يكفيها أن تُفتح لها أبواب المجلس إن لم تُفتح لها أيضًا أبواب السمع. وكانت النساء في البوسنة —كما رأت بعينها منذ دخولها إليها— يحملن…
كانت صفية تعرف، من حياتها القديمة، أن أجمل القلوب قد تضعف إذا تُرك الخير فيها لمجرد المزاج اليومي. فالناس قد يعطفون اليوم، ويشتغلون غدًا، وينسون بعد غد. أما المجتمعات، فلا تُبنى…
كان أكثر ما يؤلم صفية في تلك السنة الأرامل. لا لأنهن وحدهن أكثر الفئات بؤسًا، ولكن لأنها كانت ترى في كثير من وجوههن صورةً مما كان يمكن أن تصير إليه حياتها لو تُركت في القرية…
لم تكن صفية ترى المسجد مؤسسةَ رجالٍ وحدهم. كانت تعرف أن بعض النساء يدخلنه للصلاة، وبعضهن لا يجدن الطريق إليه إلا في المناسبات، وبعضهن يحسبنه موضعًا بعيدًا عن حياتهن اليومية. لكنها…