في الليلة السابقة لإعلان الجلوس الرسمي، لم ينم سعيد نومًا حقيقيًا.
ولم يكن سهره من فرحٍ متوتر كما يسهر طالبو الرفعة، بل من ثقلٍ أدركه الرجل بقلبه كله.
خرج إلى طرف الأرض قرب الموضع الذي اختير للمسجد، وكان البناء قد بدأ يثبت في بعض جهاته، والسماء صافية فوق البوسنة على نحوٍ يُشعر الإنسان بضآلته أمام ما يحمل.
وقف هناك طويلًا، ثم سمع خطوات تقي الدين خلفه، لكنه لم يلتفت أول الأمر.
قال تقي الدين:
— لم تنم.
قال:
— لا.
— أفرحٌ أم خوف؟
— ليس واحدًا منهما كاملًا… أو لعلهما معًا.
فقال تقي الدين:
— هذا جيد. الذي لا يخاف من الحكم لا يصلح له.
ثم وقف إلى جواره، ونظر كلاهما إلى الأفق.
قال سعيد بعد صمت:
— كنتُ أظن، وأنا أصعد أول مرة إلى هذه البلاد، أن الأصعب هو أن نجمع الناس ونبني القاعدة.
قال تقي الدين:
— والآن؟
قال:
— الآن أفهم أن الأصعب يبدأ إذا ظن الناس أنك صرت قادرًا على كل شيء.
فقال تقي الدين:
— لا أحد يقدر على كل شيء. لكن الرجل الصالح في الحكم هو الذي يعرف حدود نفسه ولا يتخذها ذريعةً للفرار.
ثم التفت إليه وأكمل بصوتٍ أكثر عمقًا:
— إذا جلست غدًا، فلا تجلس على معنى أنك وصلت. اجلس على معنى أنك بدأتَ تُحاسَب علنًا على كل نفسٍ من أنفاس هذه البلاد.
فهز سعيد رأسه ببطء، وقال:
— وهذا هو الذي يمنعني من النوم.
فقال تقي الدين:
— فليمنعك ما دام يمنعك إلى الله لا إلى الشلل.
وفي تلك اللحظة، فهم سعيد أن الكرسي ليس قمة الطريق، بل نقطة الانكشاف الأعظم فيه.