ليست كل سلطةٍ تُنتزع بالسيف، ولا كل حكمٍ يقوم لأن رجلًا اشتهى أن يجلس.
بعض الأحكام تولد لأن الناس —بعد طول فوضى أو ضعف— يبدأون في النظر إلى رجلٍ بعينه بوصفه الموضع الذي تجتمع فيه الخيوط المتفرقة.
وهذا ما وقع مع سعيد.
لم يكن الرجل يطوف في القرى ليعلن نفسه،
ولا يملأ المجالس حديثًا عن استحقاقه،
ولا يشتري المبايعات بالهبات،
بل كان يفعل شيئًا أخطر وأعمق:
كان يترك العمل نفسه يسبقه.
في القرية الأولى سمعوا عنه لأنه أصلح نزاعًا قديمًا بين أسرتين من غير أن يُهين واحدةً لصالح الأخرى.
وفي الثانية ذُكر لأنه أعاد وقفًا صغيرًا للمسجد بعد أن كاد يضيع بين أيدي المنتفعين.
وفي الثالثة عرفوه لأنه جاءهم مع رجالٍ يحملون الطعام والدواء قبل أن يحملوا دفاتر الجباية.
وفي الرابعة قالت النساء لبعضهن إن الرجل الذي جاءت معه صفية لا يضع النساء آخر القائمة كما يفعل كثير من الرجال، بل يرى أن خراب البيوت خرابُ البلاد.
وفي الخامسة انتشر اسمه لأن الخيل التي كان يُعِدُّها لم تكن خيل استعراض، بل خيل إعدادٍ منضبط، لا تعيث في الناس، ولا تُربى على قسوةٍ بلا خلق.
وكانت هذه الأخبار الصغيرة، في ظاهرها، لا تُشبه طرق صناعة السلاطين.
لكنها، في الحقيقة، كانت تصنع شيئًا أبقى:
تصنع القبول.
قال شيخٌ من أهل إحدى القرى، في مجلسٍ حضره تقي الدين ذات يوم:
— نحن لا نريد رجلًا يعلو علينا بصوته. نريد رجلًا إذا علا علينا بشخصه اطمأنت قلوبنا أنه لا يريد أن يأكلنا.
فلما نُقل الكلام إلى سعيد، سكت طويلًا، ثم قال:
— هذه أمانة لا مدح.
وهنا كان الفرق بينه وبين كثيرين:
أن المدح لم يكن يُسكره، بل يُثقله.
لأنه كان يعرف أن الناس إذا رفعت رجلًا في قلوبها قبل أن ترفعه على الكرسي، صارت خيانته لهم جريمةً مضاعفة.