باب من الرواية

الباب الرابع عشر: الليلة التي فهمت فيها صفية أن البوسنة دخلت دمها

الفصل الرابع والعشرون — ولادة فاطمة في البوسنة

بعد أيامٍ من الولادة، هدأ البيت قليلًا.

نام الصغار في مواضعهم، وخفتت الحركة، وسكنت فاطمة بعد رضعتها.

خرجت صفية، على ضعفها، خطواتٍ قليلة إلى خارج الموضع الذي تقيم فيه، وجلس معها سعيد تحت سماء البوسنة.

كان الليل هناك مختلفًا عن كل ما عرفته من قبل.

أوسع، وأبرد، وأشد سكونًا.

والنجوم فيه كأنها أقرب إلى الأرض قليلًا.

نظرت صفية إلى الأفق، ثم إلى ابنتها النائمة داخل الموضع، ثم قالت:

— الآن فقط صدقت أننا وصلنا.

فقال سعيد:

— لأن فاطمة وُلدت هنا؟

قالت:

— نعم… لأن الدم لا يكذب.

ثم سكتت لحظة وأضافت:

— بخارستان ستبقى في قلبي بيت الجبر الأول، لكن البوسنة دخلت دمي الليلة.

نظر إليها سعيد طويلًا، ثم قال:

— وهذا ما كنا نحتاجه.

— ماذا؟

— أن لا تكون الأرض الجديدة منزلاً فقط… بل جزءًا منّا.

ثم أخذا يتكلمان في البيوت التي ستُبنى، وفي المسجد، وفي النساء اللواتي بدأن يأتين، وفي الأولاد وكيف سيكبرون هنا بين الجبال الجديدة، وفي السنوات المقبلة التي لا يعرفان تفاصيلها لكنهما يعرفان أن أثقالها قادمة لا محالة.

قالت له:

— أخاف من كِبَر المعنى أحيانًا.

قال:

— وأنا أيضًا.

فالتفتت إليه في دهشةٍ صغيرة، فقال:

— لكن الفرق أنني لا أهرب إذا خفت.

فابتسمت، وقالت:

— وأنا لا أهرب أيضًا… لكنني أبكي أكثر.

فضحك ضحكةً هادئة وقال:

— ولهذا جعلنا الله معًا.

وكان هذا من الصدق الذي لا تحتاجه الروايات فحسب، بل تحتاجه البيوت الكبيرة حقًا.