الفصل الخامس والعشرون

الفصل الخامس والعشرون — حين جلس سعيد على الحكم

لا كرجلٍ وصل، بل كرجلٍ بدأت عليه الأثقال الحقيقية

الباب الأول: السنوات الأربع التي لم يرها المؤرخون السطحيون

لم يأتِ يوم جلوس سعيد على الحكم كما تأتي أحلام الطامعين؛

لا على صهوة ضجيجٍ أجوف،

ولا على وقع أبواقٍ تريد أن تقنع الناس أن التاريخ صُنع في ساعةٍ واحدة،

بل جاء كما تأتي الثمار الثقيلة بعد مواسم طويلة من الحرث والسقي والعرق والخوف والانتظار.

أربع سنواتٍ كاملة لم يكن الرجل فيها ملكًا متوجًا، ولا أميرًا يتقدمه السيف وتتبعه الرايات، بل كان شيئًا أصعب من ذلك:

كان بنّاءً.

يرمم ما انكسر في الناس قبل أن يرمم ما انكسر في الحجر،

ويردّ للمساجد أنفاسها،

وللفقراء أسماءهم،

وللنساء حقّهن في أن يكنّ جزءًا من نسيج البلاد لا ظلالًا تُنسى في زواياه،

ويصل بين القرى المتباعدة بخيط ثقةٍ بطيء لا يراه المستعجلون، لكنه هو الذي يحمل الدولة إذا جاءت.

وكان أكثر ما أتعبه في تلك السنوات أنه لم يكن يقاتل عدوًا ظاهرًا فقط، بل يقاتل آثار الانكسار داخل النفوس.

فالبلاد التي عاشت طويلًا على الخوف لا يكفيها أن ترى رجلًا قويًا حتى تطمئن.

إنها تحتاج أن ترى:

خبزًا يصل،

وظلمًا يُرفع،

ومسجدًا يعود حيًا،

وفتاةً تجد من يحمي حياءها،

وأرملةً تجد من يسأل عنها قبل أن تمد يدها،

ورجلًا بسيطًا يعرف أن القادم لا يريد أن يحكمه ليمتصه، بل ليرفعه.

ولذلك، كان سعيد إذا رجع في آخر النهار إلى بيته في البوسنة، وعلى كتفيه غبار الأرض ووجوه الرجال ومشكلات القرى وطلبات الناس، لا يبدو على وجهه وجه ظافرٍ استراح إلى مسيرته، بل وجه رجلٍ فهم أن البناء الصادق أبطأ من الحماسة، لكنه أبقى منها أثرًا.

وكانت صفية ترى هذا التحول فيه بوضوح.

ترى في صمته ليلًا ثقل ما حمله نهارًا، وفي طريقته في النظر إلى الأطفال معنىً جديدًا؛ كأنه لم يعد يرى فيهم أبناءه فقط، بل المستقبل الذي ينبغي أن يجد عند كبره بلدًا أصلح مما وجده آباؤه.

فكانت تقول له أحيانًا:

— ما عدتَ ترجع إلى البيت كما كنتَ ترجع أول البوسنة.

فيقول:

— لأن البوسنة نفسها لم تعد هي نفسها.

فتقول:

— أم لأنك أنت لم تعد أنت؟

فيبتسم ابتسامةً خفيفة، ثم يقول:

— كلاهما.

الباب الثاني: لماذا طلبه الناس قبل أن يطلب الكرسي

ليست كل سلطةٍ تُنتزع بالسيف، ولا كل حكمٍ يقوم لأن رجلًا اشتهى أن يجلس.

بعض الأحكام تولد لأن الناس —بعد طول فوضى أو ضعف— يبدأون في النظر إلى رجلٍ بعينه بوصفه الموضع الذي تجتمع فيه الخيوط المتفرقة.

وهذا ما وقع مع سعيد.

لم يكن الرجل يطوف في القرى ليعلن نفسه،

ولا يملأ المجالس حديثًا عن استحقاقه،

ولا يشتري المبايعات بالهبات،

بل كان يفعل شيئًا أخطر وأعمق:

كان يترك العمل نفسه يسبقه.

في القرية الأولى سمعوا عنه لأنه أصلح نزاعًا قديمًا بين أسرتين من غير أن يُهين واحدةً لصالح الأخرى.

وفي الثانية ذُكر لأنه أعاد وقفًا صغيرًا للمسجد بعد أن كاد يضيع بين أيدي المنتفعين.

وفي الثالثة عرفوه لأنه جاءهم مع رجالٍ يحملون الطعام والدواء قبل أن يحملوا دفاتر الجباية.

وفي الرابعة قالت النساء لبعضهن إن الرجل الذي جاءت معه صفية لا يضع النساء آخر القائمة كما يفعل كثير من الرجال، بل يرى أن خراب البيوت خرابُ البلاد.

وفي الخامسة انتشر اسمه لأن الخيل التي كان يُعِدُّها لم تكن خيل استعراض، بل خيل إعدادٍ منضبط، لا تعيث في الناس، ولا تُربى على قسوةٍ بلا خلق.

وكانت هذه الأخبار الصغيرة، في ظاهرها، لا تُشبه طرق صناعة السلاطين.

لكنها، في الحقيقة، كانت تصنع شيئًا أبقى:

تصنع القبول.

قال شيخٌ من أهل إحدى القرى، في مجلسٍ حضره تقي الدين ذات يوم:

— نحن لا نريد رجلًا يعلو علينا بصوته. نريد رجلًا إذا علا علينا بشخصه اطمأنت قلوبنا أنه لا يريد أن يأكلنا.

فلما نُقل الكلام إلى سعيد، سكت طويلًا، ثم قال:

— هذه أمانة لا مدح.

وهنا كان الفرق بينه وبين كثيرين:

أن المدح لم يكن يُسكره، بل يُثقله.

لأنه كان يعرف أن الناس إذا رفعت رجلًا في قلوبها قبل أن ترفعه على الكرسي، صارت خيانته لهم جريمةً مضاعفة.

الباب الثالث: صفية… المرأة التي كانت تدخل الحكم من الباب الذي لا يراه الرجال المتعجلون

وإذا كان الناس قد بدأوا يلتفتون إلى سعيد من جهة العدل والتنظيم والرؤية، فإنهم كانوا يلتفتون في الوقت نفسه إلى صفية من بابٍ آخر لا يقل خطرًا:

باب القلوب.

فالنساء اللواتي عرفنها في البوسنة لم يعرفنها كزوجة رجلٍ صاعد فحسب، بل عرفن فيها مدرسةً من نوع آخر.

كانت تدخل البيوت فتسأل عن الأرامل قبل أن تسأل عن وجهاء العشائر،

وتفهم أن الجوع لا يكون في البطن فقط، بل في الشعور بالأمان،

وترى أن البلاد لا تصلح إذا بقي نصفها النسائي مهملًا أو مكسورًا أو خائفًا.

وفي إحدى الليالي، جلس سعيد وصفية وحدهما بعد أن نام الأطفال أو هدأت حركتهم، وكانت فاطمة صغيرة بعد، بينما ساحة البيت صارت تعرف أقدام عبدالملك وإخوته كما تعرف الأدعية التي تُقرأ فيها آخر الليل.

قال لها سعيد:

— الناس يأتون إليّ من جهة، ويأتون إليكِ من جهة أخرى.

فقالت:

— لأن البلاد نصفان.

قال:

— بل لأنها روح واحدة، لكن الرجال غالبًا لا يرون إلا نصفها الذي يشبههم.

فنظرت إليه، وقالت:

— أتقول هذا حقًا؟

قال:

— نعم. ولو دخلنا الحكم وبيوت النساء مكسورة، فلن تقوم لنا دولةٌ سليمة مهما ضبطنا الأسواق والثغور.

فسكتت قليلًا، ثم قالت:

— إذن إذا جاء الحكم، فلا تجعلني جالسةً خلفك على هيئة زينة.

فقال وهو يبتسم ابتسامةً يعرف فيها معدنها:

— وهل كنتِ كذلك يومًا؟

وكان هذا من الحوارات التي لا يلتفت إليها المؤرخون كثيرًا، لكنها تصنع وجه العهود.

لأن الكرسي إذا جلس عليه رجلٌ وحده في الظاهر، بينما الحقيقة أن وراءه روحًا أخرى تزن الداخل وتفهم الشقوق التي لا يراها، صار الحكم أعمق وأقل عمىً.

الباب الرابع: مجلس الوجهاء… الليلة التي اختُبر فيها الرجال

لم يجلس سعيد على الحكم لأن القلوب همست باسمه في البيوت فقط، بل لا بد في عالم السياسة من لحظةٍ يظهر فيها التوافق الكبير، أو يخرج فيها التصدع إلى العلن.

ولهذا جاء مجلس الوجهاء والعلماء وأهل القوة وأصحاب المال، ذلك المجلس الذي تُختبر فيه نيات الرجال أكثر مما تُختبر ألفاظهم.

اجتمعوا في قاعةٍ واسعة نسبيًا من قاعات البوسنة التي ما زال أثر التعب بادياً على جدرانها، لا ترف فيها ولا زينة فائضة، لكن الجو كله كان مشدودًا كوتر.

حضر من حضر لأنهم رأوا في سعيد موضع استقرار،

وحضر آخرون لأنهم خافوا أن تُصنع المعادلة من دونهم،

وحضر بعضهم وفي نفسه اعتراضاتٌ معلقة،

وحضر آخرون ينتظرون فقط إلى أي ريحٍ تميل الموازين.

جلس تقي الدين في موضعٍ لا يعلو على الجميع لكنه لا يخفى بينهم.

وكان حضوره في حد ذاته كافيًا لتهدئة كثير من التسرع، لأن الرجل عُرف بعقله وورعه وبُعده عن الطمع الشخصي.

أما سعيد، فلم يجلس في صدر القاعة على هيئة من انتهى الأمر إليه، بل جلس حيث يُرى ويُسمع، لكن بغير تكلف سيادة.

بدأ الكلام من بعض الشيوخ في أحوال البلاد، ثم انتقل إلى السؤال الذي كان الجميع يدور حوله:

من يحمل المرحلة؟

من يجمع العدل والقوة والرؤية والقبول؟

من يستطيع أن يحفظ الثغور ولا يهمل السوق؟

من يبني الجند ولا يكسر العلماء؟

من لا يجعل البلاد حقلًا لتجارب غروره؟

تكلم رجلٌ من أهل المال وقال:

— البلاد تحتاج من يعرف الحساب.

فقال آخر من أهل الثغور:

— وتحتاج من يعرف الدم.

وقال شيخٌ من العلماء:

— بل تحتاج من يعرف أن الحساب والدم كلاهما إن لم يدخل عليهما الشرع والرحمة فسدت البلاد.

ثم ساد صمت.

وكان الصمت حينئذٍ أشبه باستدعاء الاسم من بين القلوب.

فقال رجلٌ كبير السن، من أولئك الذين إذا تكلموا قليلًا استمع الناس طويلًا:

— نحن نعرف الرجل الذي بنى أربع سنواتٍ ولم يتوّج نفسه بعدها بكلمةٍ واحدة.

ثم نظر إلى سعيد مباشرةً وقال:

— وأنا أرى أن هذه البلاد لا تجد في هذا الطور أصلح منك.

هنا لم ترتفع الأصوات فورًا بالموافقة كما يفعل الناس في المشاهد المسرحية، بل بدأت الكلمات تتتابع على مهل، وهذا كان أجمل؛ لأن الاتفاق الذي ينضج ببطءٍ أثبت من الحماسة السريعة.

وافق بعضهم صريحًا،

وتردد بعضهم ثم وافق،

وأظهر آخرون تحفظاتٍ في التفاصيل لا في الأصل،

وبقيت قلةٌ في داخلها ما لا يجرؤ اللسان أن يصرح به: غيرة، أو خوفٌ من خسارة نفوذ، أو حسدٌ مقنع بثياب الحرص.

لكن الكفة مالت بوضوح.

ولم يعد السؤال: هل يجلس سعيد؟

بل: كيف يدخل هذا الحكم من غير أن ينكسر ما بناه قبل الجلوس؟

الباب الخامس: المؤامرة الأولى… لأن الكرسي إذا اقترب، خرجت الأفاعي من جحورها

وما إن بدأ اسم سعيد يثبت في المجالس على هذا النحو، حتى خرجت من الظلال أولى الأفاعي.

فالحكم، وإن جاء نتيجة بناء، يظل عند أصحاب النفوس السوداء كأنه قطعة لحمٍ تُخرج المخبوء من شهواتهم.

كان بين القوم رجلٌ من ذوي الوجاهة القديمة، اعتاد أن يرى البلاد مائدةً موزعة بين الأسر الأقوى لا أمانةً تُحمل للأصلح.

ولم يكن يطيق أن يجلس رجلٌ جاء من طريق البناء الاجتماعي والإصلاح الداخلي، لأن مثل هذا الجلوس يفضح ضحالة من اعتادوا وراثة الوجاهة من غير جهد.

بدأ الأمر بشائعاتٍ ناعمة:

أن سعيد رجلُ إصلاحٍ لا رجلُ حكم،

وأن من يصلح الوقف لا يضبط الثغور،

وأن عاطفته على النساء والفقراء قد تفسد هيبة الدولة،

وأن البيت الذي تشارك فيه امرأة مثل صفية في الرؤية قد يدخل البلاد في “لينٍ” غير مأمون.

وكانت هذه الشائعات، في ظاهرها، تبدو آراءً سياسية.

لكن من يعرف النفوس يعرف أن بعضها لم يكن إلا غيرةً رخيصة تحاول أن تتزين بكلماتٍ محترمة.

بلغت الكلماتُ تقي الدين أولًا، فقال لسعيد:

— هذه أول ضريبةٍ لأنك صرت مرئيًا.

فقال سعيد:

— وهل ترى أن نرد؟

قال:

— نرد إذا صار الكلام فعلًا. أما الآن، فدعهم يكشفون أنفسهم أكثر.

أما صفية، فلما سمعت بما يدور، لم تغضب للطعن في اسمها كما قد يظن بعض الناس، بل غضبت لمعنى الجهل الذي خلفه.

قالت لسعيد:

— إذا كان بعضهم يرى أن الرحمة تُضعف الحكم، فهؤلاء لا يعرفون شيئًا لا عن الحكم ولا عن الرحمة.

فقال:

— أعلم.

قالت:

— بل لا بد أن تعلمهم البلاد ذلك بالأثر، لا بالجدال.

وكان هذا جوابها دائمًا:

الأثر قبل المهاترة.

لكن المؤامرة لم تقف عند الشائعات.

بل حاول بعضهم أن يجرّ بعض رجال الثغور إلى التردد، وأن يوحي إليهم أن سعيد أقرب إلى بناء المجتمع منه إلى إمساك السيف، وأن البلاد قد تحتاج “يدًا أشد”.

ولم يكونوا يفهمون أن أشد الأيدي ليست دائمًا أكثرها صراخًا، بل أكثرها ضبطًا.

وهذا ما سيظهر لهم قريبًا.

الباب السادس: الليلة التي لم ينم فيها سعيد

في الليلة السابقة لإعلان الجلوس الرسمي، لم ينم سعيد نومًا حقيقيًا.

ولم يكن سهره من فرحٍ متوتر كما يسهر طالبو الرفعة، بل من ثقلٍ أدركه الرجل بقلبه كله.

خرج إلى طرف الأرض قرب الموضع الذي اختير للمسجد، وكان البناء قد بدأ يثبت في بعض جهاته، والسماء صافية فوق البوسنة على نحوٍ يُشعر الإنسان بضآلته أمام ما يحمل.

وقف هناك طويلًا، ثم سمع خطوات تقي الدين خلفه، لكنه لم يلتفت أول الأمر.

قال تقي الدين:

— لم تنم.

قال:

— لا.

— أفرحٌ أم خوف؟

— ليس واحدًا منهما كاملًا… أو لعلهما معًا.

فقال تقي الدين:

— هذا جيد. الذي لا يخاف من الحكم لا يصلح له.

ثم وقف إلى جواره، ونظر كلاهما إلى الأفق.

قال سعيد بعد صمت:

— كنتُ أظن، وأنا أصعد أول مرة إلى هذه البلاد، أن الأصعب هو أن نجمع الناس ونبني القاعدة.

قال تقي الدين:

— والآن؟

قال:

— الآن أفهم أن الأصعب يبدأ إذا ظن الناس أنك صرت قادرًا على كل شيء.

فقال تقي الدين:

— لا أحد يقدر على كل شيء. لكن الرجل الصالح في الحكم هو الذي يعرف حدود نفسه ولا يتخذها ذريعةً للفرار.

ثم التفت إليه وأكمل بصوتٍ أكثر عمقًا:

— إذا جلست غدًا، فلا تجلس على معنى أنك وصلت. اجلس على معنى أنك بدأتَ تُحاسَب علنًا على كل نفسٍ من أنفاس هذه البلاد.

فهز سعيد رأسه ببطء، وقال:

— وهذا هو الذي يمنعني من النوم.

فقال تقي الدين:

— فليمنعك ما دام يمنعك إلى الله لا إلى الشلل.

وفي تلك اللحظة، فهم سعيد أن الكرسي ليس قمة الطريق، بل نقطة الانكشاف الأعظم فيه.

الباب السابع: صباح الجلوس… كيف دخل الرجل إلى الحكم بغير زينة المترفين

طلع الصباح.

ولم يكن صباحًا من تلك الصباحات التي تتكلف الأبهة لتغطي هشاشة الداخل، بل كان صباحًا مهيبًا ببساطته.

اجتمع الناس، وجاء الوجهاء، وحضر أهل القرى، وتقاطر من استطاع من النساء إلى الجهات التي يصل إليهن منها الخبر والمشهد، وكان الأطفال في البيت قد فهموا أن شيئًا مختلفًا عن الأيام العادية يقع اليوم.

لبس سعيد ثوبًا يليق بالمقام، لكنه لم يبالغ في الترف.

ولم يحب منذ شبابه أن يختبئ الرجل خلف الثياب عن نقصه.

أما صفية، فقد جهزت نفسها على الصورة التي تعرف أنها تليق بما هي داخلة إليه:

وقارٌ لا مبالغة فيه،

وزينةٌ لا تصير استعراضًا،

ووجهٌ ثابت لا قسوة فيه.

وقبل أن يخرج، دخلت عليه في الغرفة.

كان واقفًا وحده لحظة، كأنما يودع نفسه القديمة.

فقالت له:

— هل أنت بخير؟

فقال:

— لا أدري هل يقال في مثل هذا المقام “بخير” أم “على باب بلاء جميل”.

فابتسمت، وقالت:

— إذن قل: على باب أمانة.

فنظر إليها نظرةً طويلة ثم قال:

— إذا رأيتِني يومًا أميل إلى نفسي أكثر مما ينبغي، فشديني.

فقالت من غير تردد:

— سأفعل.

ثم أضافت:

— وأنت إذا رأيتني يومًا أرهقني الداخل حتى غلبتني عاطفتي على بصيرتي، فشدني أيضًا.

فقال:

— هذا عهد.

وكانت هذه اللحظة، على صغرها، واحدةً من أوثق لحظات ذلك الصباح.

لأن الحكم الذي يدخل به زوجان على هذا القدر من الصراحة المتبادلة، أقل عرضةً لأن يبتلع أحدهما الآخر أو يفسد أحدهما على الآخر المعنى.

ثم خرج سعيد.

ودخل إلى موضع الجلوس لا كمن يتلقى مجدًا شخصيًا، بل كمن يدخل امتحانًا تحت عيون الناس وربه معًا.

الباب الثامن: الخطاب الأول… الدولة التي أراد أن تبدأ من القلب لا من السوط

ولما استقر به المجلس، وسكتت الأصوات، تكلم سعيد.

ولم يكن خطابه الأول طويلًا من النوع الذي يحب فيه الناس سماع أنفسهم أكثر من سماع الحقيقة، بل كان محكمًا، واضحًا، يزن الكلمات كما يزن من سيُحاسَب عليها.

قال، فيما معناه، إن البلاد لم تعد تحتمل أن تكون ساحةً يتجاذبها الطامعون ولا أن تُترك للضعفاء حتى ينهشها الأقوى، وإن الحكم الذي يدخل إليه اليوم لا يدخل ليملك الناس بل ليحملهم إلى موضعٍ أصلح.

وقال إن البوسنة لا تُبنى بالسيف وحده، ولا بالسوق وحده، ولا بالمسجد وحده إذا انفصل عن الناس، بل بكل ذلك معًا:

بالعدل،

وبالعلم،

وبالوقف،

وبحفظ الثغور،

وبرفع الظلم عن النساء والضعفاء،

وبتربية الجيل الذي لا يُغرى ببيع البلاد عند أول محنة.

ولم ينسَ أن يربط هذا كله بالله والشرع، لأن الرجل كان يعرف أن السلطة إذا لم تُربط من أول يوم بمعنى أعلى من صاحبها، التهمته وابتلعت مَن حوله.

وكان من أكثر ما لفت السامعين أنه لم يتكلم عن أعدائه كثيرًا، ولا عن خصومه، ولا عن مناوئيه في الداخل، بل تكلم عن الواجب.

ومن تكلم عن الواجب في أول الحكم بدا أصدق ممن يبدأ بحصر خصومه.

بعد الخطاب، التفت بعض الرجال إلى بعضهم البعض، ورأى كثيرٌ منهم أن الرجل لم يأتِ ليزيد النار اشتعالًا، بل ليعيد ترتيب الحطب من أصله.

وهنا بالذات كسب سعيد شيئًا مهمًا:

أن أول يومٍ له لم يكن يوم انتقام، بل يوم توجيه.

الباب التاسع: صفية في الظل الظاهر… كيف قرأت النساء اليوم نفسه قراءةً أخرى

أما النساء، فلم يقرأن ذلك اليوم بالطريقة نفسها التي قرأه بها الرجال.

فالرجال رأوا الجلوس على الحكم، ورأوا المجلس والبيعة والخطاب والهيبة.

أما النساء، فكثيرٌ منهنّ نظرن إلى صفية.

نظرن إلى هيئة المرأة التي دخلت إلى هذا اليوم من طريقٍ طويل:

من سرقة الاسم،

إلى عودة النسب،

إلى بخارستان،

إلى الأبناء،

إلى الهجرة،

إلى البوسنة،

إلى مواضع الرحمة والإغاثة والرتق،

ثم ها هي الآن في اليوم الذي جلس فيه زوجها على الحكم، لكنها لم تكن تبدو ملحقًا به، بل ضلعًا قائمًا إلى جواره.

جاءتها بعد المجلس بعض النساء اللواتي عرفنها من قبل، فقلن لها عباراتٍ فيها تهنئة وفيها أكثر من التهنئة.

قالت واحدة:

— اليوم جلس سعيد، لكننا نشعر أن البلاد دخلت أيضًا على باب أمّ.

وقالت أخرى:

— لعل الله يكتب للنساء في هذا العهد موضعًا لم يعرفنه من قبل.

فقالت صفية، وكانت تزن جوابها كما يليق ببداية عهد:

— لا أريد للنساء موضعَ زينةٍ في الدولة، ولا موضعَ شكوى فقط. أريد أن يكنّ جزءًا من عافيتها.

فسكتت النسوة قليلًا، لأن الجواب كان أكبر من المجاملة.

ثم قالت إحداهن:

— وهذا ما نرجوه.

وعادت صفية مساء ذلك اليوم إلى البيت، وليس في قلبها سُكر النصر كما قد يتخيل البعض، بل شعور آخر:

أن الداخل من الغد سيكون أعظم.

فاليوم مرّ بما فيه من مهابة، أما الغد فسيبدأ فيه الحساب العملي.

ولهذا قالت لسعيد حين خلوا آخر الليل:

— انتهى اليوم الذي يخشاه الناس في الخيال.

فقال:

— وبدأت الأيام التي تخشاها الأرواح الصادقة في الحقيقة.

فقالت:

— نعم.

الباب العاشر: أول اختبارٍ بعد الجلوس

ولم يمهلهم القدر طويلًا حتى أرسل أول اختبار.

فبعد أيامٍ قليلة من الجلوس، جاءهم خبر اضطرابٍ في طرفٍ من الأطراف، ليس تمردًا كبيرًا بعد، لكنه علامة على أن بعض القوى الداخلية والإقليمية تريد أن تختبر الرجل:

هل هو ممن يلينون عند أول اهتزاز؟

أم ممن يبطشون بغير بصيرة فيخسرون الناس؟

أم ممن يعرفون موضع الحزم من موضع الحكمة؟

دخل الخبر على المجلس، وكان بعض الحاضرين يميلون فورًا إلى الشدة الصارخة، وبعضهم إلى التأجيل المفرط.

أما سعيد، فسأل أولًا عن الحقائق:

من بدأ؟

ما طبيعة الاضطراب؟

هل هو ظلمٌ قديم انفجر؟

أم يدٌ خارجية تحرك الداخل؟

أم طمعُ رجلٍ محلي يرى اللحظة مناسبة لرفع نفسه؟

وكان هذا أول ما طمأن تقي الدين.

فالرجل لم يندفع.

لكنه أيضًا لم يتهاون.

وأرسل من يثبت الحدود، ومن يتحقق، ومن يفتح باب التهدئة إن أمكن، ومن يستعد لو لزم الحزم.

فلما خرج الرسل، قال بعض من في المجلس:

— لِمَ لم تعاقب فورًا؟

فقال سعيد:

— لأن الدولة التي تعاقب قبل أن تفهم، تزرع لنفسها خصومًا أكثر مما تُسكت.

ثم أردف:

— لكن الدولة التي تفهم ثم لا تفعل شيئًا، تزرع أيضًا خرابًا. ونحن لا نريد واحدة من الاثنتين.

وهنا عرف أهل المجلس أن الرجل لم يجلس على الحكم ليلبس هيبته فقط، بل ليفكر تحت الضغط.

وكان هذا أول اختبار حقيقي بعد الخطاب.

وقد نجح فيه من حيث بدأ.

الباب الحادي عشر: البيت بعد الحكم… الأطفال الذين لم يعرفوا بعد أن التاريخ دخل غرفهم

وفي البيت، كان اليوم الكبير يمر على الأطفال بطريقةٍ أخرى تمامًا.

فعبدالملك أحس أن أباه صار أكثر انشغالًا وهيبةً، لكنه لم يفهم بعد كيف يترجم ذلك كله.

وأحمد كان أقرب إلى التباهي الطفولي، يقول لإخوته ما معناه أن أباه صار يجلس حيث يجلس الكبار.

أما محمد ومريم وعبدالله، فقد كانوا يلتقطون من الجو العام تغيرًا، من غير أن يعرفوا اسمه.

وخديجة وعائشة وفاطمة كن في سنٍّ تجعل العالم كله عندهن يبدأ من حضن الأم وينتهي إليه.

لكن الأطفال، على جهلهم الظاهري، كانوا يعيشون في بيتٍ دخل فيه التاريخ فعلًا.

الجند يمرون أكثر،

الرسل يأتون،

الوجوه الجديدة تظهر،

الأوراق والخرائط والحديث عن القرى والثغور يكثر،

وسعيد لم يعد أبًا يعود آخر النهار فيجلس طويلًا كما كان من قبل.

صار يعود أحيانًا متأخرًا، أو يحمل معه رجالًا، أو يجلس مع تقي الدين إلى وقتٍ طويل، أو يستدعي بعض الأبناء الكبار نسبيًا ليروا ويسمعوا من بعيد.

وكانت صفية حريصة ألا يسرق الحكم من البيت روحه.

فإذا رأت الأطفال بدؤوا يشعرون بالمسافة الجديدة مع أبيهم، تعمدت أن تجمعهم حوله في بعض الساعات، أو تخرجهم إليه إذا أمكن، أو تذكره هو نفسه بأن الدولة إن أكلت الأب بالكامل أفسدت في الجيل التالي ما تحاول إصلاحه في البلاد.

ولهذا قالت له ليلةً:

— لا تدعهم يتربون على أن أباهم صار صورةً في آخر المجلس فقط.

فقال:

— أخشى أن أقصّر.

فقالت:

— التقصير هنا لا يظهر اليوم… يظهر بعد أعوام في نفوس الأبناء.

فأطرق رأسه.

وكان من حسن حظه أنها كانت تقول له هذه الأشياء.

الباب الثاني عشر: نهاية الفصل… الرجل الذي جلس، والمرأة التي فهمت أن العهد بدأ

وهكذا انتهى اليوم الذي جلس فيه سعيد على الحكم.

لكنه، في الحقيقة، لم يكن نهاية طورٍ بقدر ما كان أول سطرٍ في طورٍ أثقل.

جلس الرجل بعد أربع سنواتٍ من البناء الصامت، لا ليبدأ من الصفر، بل ليحمل علنًا ما كان يحمله خفية.