باب من الرواية

الباب الثالث عشر: صفية والنساء… النواة الأولى للرتق الكبير

الفصل الرابع والعشرون — ولادة فاطمة في البوسنة

أما صفية، فعلى رغم تعبها ووليدتها الصغيرة، فقد بدأت من الأيام الأولى في البوسنة تؤسس —من غير أن تعلن ذلك بهذا اللفظ— لشيءٍ سيكبر لاحقًا حتى يصير من أكبر وجوه عهدها وعهد بيتها:

تحويل الرحمة إلى نظام.

لم تكن تحب أن تبقى أعمال الخير رهينةَ المزاج أو المصادفات.

فإذا جاءت امرأة محتاجة، لم ترد أن تعطيها شيئًا اليوم ثم تُنسى غدًا.

وإذا حضرت أرملة، لم تُرِد أن تُعالجها بكلمات العطف وحدها.

وإذا رأت فتاةً خائفة أو أسرةً مضطربة، لم تكن ترى في ذلك حادثةً فردية، بل خيطًا من نسيج مجتمعٍ مكسور يحتاج من يرقعه بوعي.

لذلك بدأت تسأل النساء عن أحوال القرى:

من أين يأتيهن الألم؟

من هن الأشد ضعفًا؟

أين تكثر الأرامل؟

أين الأيتام؟

أين تنقطع البنات عن التعلم؟

وأين يكثر الخوف الذي لا اسم له؟

وكانت تفعل هذا برقةٍ لا تُشعر السائل بأنه يُستجوب، بل بأنه يُفهم.

وهنا بالذات دخل قلب صفية في المشروع دخولًا لا يمكن لأي رجل —مهما كان صالحًا— أن يقوم مقامها فيه.

وفي إحدى الزيارات، جلست إليها امرأة شابة فقدت زوجها في نزاعٍ قديم، وكانت تحمل في عينيها قسوة الحياة أكثر مما تحمل في يديها شيئًا من الدنيا.

قالت لها صفية بعد حديث طويل:

— لا أريد لكِ صدقة يومٍ واحد. أريد أن يبقى لكِ ظهر.

فلم تفهم المرأة أولًا.

فقالت صفية:

— سنفكر لكِ في عمل، وفي موضعٍ لتعلم أولادك، وفي جيرانٍ لا يتركونكِ وحدك.

فبكت المرأة، لأن بعض الناس يبكون إذا أُعطوا المال، وبعضهم يبكون إذا أُعطوا أخيرًا إحساسًا أن أحدًا رآهم بصدق.

وكانت هذه هي بداية المدرسة الخفية لصفية في البوسنة:

أن تجعل من البيت رحمًا للبلاد، لا ملجأً للعائلة فقط.