باب من الرواية

الباب الثاني: شبكة النساء الأولى… حين قررت أن لا تبقى الحاجات متفرقةً في الظلام

الفصل السادس والعشرون — السنة الأولى من حكم صفية

منذ أول الشهور، عرفت صفية أن البلاد المكسورة لا يكفيها أن تُفتح لها أبواب المجلس إن لم تُفتح لها أيضًا أبواب السمع.

وكانت النساء في البوسنة —كما رأت بعينها منذ دخولها إليها— يحملن من الآلام ما لا يصل إلى الرجال كاملًا:

حاجاتٌ تُستحى،

وأوجاعٌ تتوارثها البيوت،

ونقصٌ في التعليم،

وترمّلٌ،

ووحدةٌ،

وفقرٌ لا يطلب صاحبه الطعام فقط، بل يطلب أن يعترف أحدٌ بوجوده.

ولهذا، لم تبدأ صفية عملها بإصدار الأوامر من فوق، بل بدأت من حيث بدأت في أصل حياتها كلها: من الإصغاء.

جمعت في الأسابيع الأولى عددًا من النساء اللواتي ظهر لهن من قبلُ صدق الدين، ورجاحة العقل، وقدرة الكتمان، وحسن التصرف.

لم تكن تريد نساءً يكثرن الكلام في المجالس ثم يضيع بين أفواههن ما يأتمنهن الناس عليه،

ولا من يتعاملن مع حاجات النساء بوصفها مادّة فضول،

ولا من يرين القرب من الحكم زينةً شخصية.

أرادت وجوهًا تعرف أن الرحمة مهنةُ قلبٍ قبل أن تكون مهمة يد.

اجتمعن أول مرة في مجلسٍ صغير، بلا أبهة، ولا شعارات، ولا إعلان.

كانت مريم حاضرة، وفاطمة أم سعيد قريبة، وعدد من النساء البوسنيات اللواتي اختبرتهن الأيام القليلة السابقة.

جلست صفية في صدر المجلس، لا بصوت السلطان، بل بصوت الأم التي تعلم أن البيوت تُبنى أولًا من الكلام الصادق.

قالت لهن:

— لا أريد منكن كثرة حركةٍ وقلةَ أثر. ولا أريد أن يكون قربكن من هذا الموضع الجديد بابًا يقال فيه: هؤلاء نساء الحكم. أريد شيئًا آخر.

سكتت قليلًا، ثم أردفت:

— أريد أن تعرف كل قريةٍ أن لها عندنا عينًا تسمعها، لا عينًا تراقبها فقط. وأن كل امرأةٍ لا تستطيع أن تصل إلى مجلس الرجال، لها طريقٌ يصل إلينا.

فقالت امرأةٌ كبيرة من أهل البلاد:

— وما الذي نبدأ به؟

قالت:

— بالأسماء. من هن الأرامل؟ من هن الأشد ضعفًا؟ أين البنات اللواتي انقطع تعليمهن؟ أين البيوت التي لا يصلها المسجد إلا اسمًا؟ أين المرضى؟ أين الأيتام؟

ثم نظرت في وجوههن واحدةً واحدة وأضافت:

— لا نريد الصدقات المتناثرة فقط. نريد أن نعرف أين ينزف الجسد.

وهكذا وُلدت أول شبكة نسائية حقيقية في حكم صفية.

لا مجلسَ زينة، بل شبكةُ عصب.