لم تكن صفية ترى المسجد مؤسسةَ رجالٍ وحدهم.
كانت تعرف أن بعض النساء يدخلنه للصلاة، وبعضهن لا يجدن الطريق إليه إلا في المناسبات، وبعضهن يحسبنه موضعًا بعيدًا عن حياتهن اليومية.
لكنها كانت ترى —ببصيرتها الروحية والاجتماعية معًا— أن المسجد إذا عاد يتنفس، عادت البيوت كلها تتنفس معه.
ولهذا دخلت السنة الأولى من حكمها من هذا الباب أيضًا.
لم تتصدر المنابر، ولم تفعل ما لا يليق بترتيب الشريعة والمجتمع، لكنها فعلت ما لا يقل أثرًا:
أصلحت الصلة بين المسجد والبيت،
وبين حلقات العلم والنساء،
وبين الوقف وخدمة بيوت العبادة،
وبين الوعظ المجرد والرحمة العملية.
كانت تقول للنساء اللواتي حولها:
— لا أريد المسجد مكانًا يُسمع فيه الكلام ثم يعود الناس إلى بيوتهم بلا أثر. أريد أن تخرج منه السكينة، والعلم، والحياء، والترتيب.
وقالت مرةً لسعيد:
— إذا كان الرجال يرممون أسقف المساجد، فنحن علينا أن نمنع سقوط المعنى منها.
فقال:
— وكيف؟
قالت:
— بأن لا نترك النساء خارج الدائرة، ولا الفقراء خارج الرحمة، ولا الصغار خارج التربية.
صار فيها حلقاتٌ صغيرة للصغار،
ومواضع منتظمة لتعليم البنات ما يلزمهن،
وتحسن في نظافة بعض المواضع وخدمتها من باب الوقف،
وكانت صفية، كلما دخلت مسجدًا أو سمعت خبرًا عن واحدٍ منها، لا تنظر إلى الجدار أولًا، بل تسأل:
من يحضر؟
من غاب؟
هل وصل العلم إلى النساء؟
هل يعرف الصغار كيف يقفون؟
هل يشعر الفقير أن للمسجد ظلًا عليه؟
تلك الأسئلة الصغيرة كانت في الحقيقة سياسةً كاملة.