طلع الصباح.
ولم يكن صباحًا من تلك الصباحات التي تتكلف الأبهة لتغطي هشاشة الداخل، بل كان صباحًا مهيبًا ببساطته.
اجتمع الناس، وجاء الوجهاء، وحضر أهل القرى، وتقاطر من استطاع من النساء إلى الجهات التي يصل إليهن منها الخبر والمشهد، وكان الأطفال في البيت قد فهموا أن شيئًا مختلفًا عن الأيام العادية يقع اليوم.
لبس سعيد ثوبًا يليق بالمقام، لكنه لم يبالغ في الترف.
ولم يحب منذ شبابه أن يختبئ الرجل خلف الثياب عن نقصه.
أما صفية، فقد جهزت نفسها على الصورة التي تعرف أنها تليق بما هي داخلة إليه:
وقارٌ لا مبالغة فيه،
وزينةٌ لا تصير استعراضًا،
ووجهٌ ثابت لا قسوة فيه.
وقبل أن يخرج، دخلت عليه في الغرفة.
كان واقفًا وحده لحظة، كأنما يودع نفسه القديمة.
فقالت له:
— هل أنت بخير؟
فقال:
— لا أدري هل يقال في مثل هذا المقام “بخير” أم “على باب بلاء جميل”.
فابتسمت، وقالت:
— إذن قل: على باب أمانة.
فنظر إليها نظرةً طويلة ثم قال:
— إذا رأيتِني يومًا أميل إلى نفسي أكثر مما ينبغي، فشديني.
فقالت من غير تردد:
— سأفعل.
ثم أضافت:
— وأنت إذا رأيتني يومًا أرهقني الداخل حتى غلبتني عاطفتي على بصيرتي، فشدني أيضًا.
فقال:
— هذا عهد.
وكانت هذه اللحظة، على صغرها، واحدةً من أوثق لحظات ذلك الصباح.
لأن الحكم الذي يدخل به زوجان على هذا القدر من الصراحة المتبادلة، أقل عرضةً لأن يبتلع أحدهما الآخر أو يفسد أحدهما على الآخر المعنى.
ثم خرج سعيد.
ودخل إلى موضع الجلوس لا كمن يتلقى مجدًا شخصيًا، بل كمن يدخل امتحانًا تحت عيون الناس وربه معًا.