لم يجلس سعيد على الحكم لأن القلوب همست باسمه في البيوت فقط، بل لا بد في عالم السياسة من لحظةٍ يظهر فيها التوافق الكبير، أو يخرج فيها التصدع إلى العلن.
ولهذا جاء مجلس الوجهاء والعلماء وأهل القوة وأصحاب المال، ذلك المجلس الذي تُختبر فيه نيات الرجال أكثر مما تُختبر ألفاظهم.
اجتمعوا في قاعةٍ واسعة نسبيًا من قاعات البوسنة التي ما زال أثر التعب بادياً على جدرانها، لا ترف فيها ولا زينة فائضة، لكن الجو كله كان مشدودًا كوتر.
حضر من حضر لأنهم رأوا في سعيد موضع استقرار،
وحضر آخرون لأنهم خافوا أن تُصنع المعادلة من دونهم،
وحضر بعضهم وفي نفسه اعتراضاتٌ معلقة،
وحضر آخرون ينتظرون فقط إلى أي ريحٍ تميل الموازين.
جلس تقي الدين في موضعٍ لا يعلو على الجميع لكنه لا يخفى بينهم.
وكان حضوره في حد ذاته كافيًا لتهدئة كثير من التسرع، لأن الرجل عُرف بعقله وورعه وبُعده عن الطمع الشخصي.
أما سعيد، فلم يجلس في صدر القاعة على هيئة من انتهى الأمر إليه، بل جلس حيث يُرى ويُسمع، لكن بغير تكلف سيادة.
بدأ الكلام من بعض الشيوخ في أحوال البلاد، ثم انتقل إلى السؤال الذي كان الجميع يدور حوله:
من يحمل المرحلة؟
من يجمع العدل والقوة والرؤية والقبول؟
من يستطيع أن يحفظ الثغور ولا يهمل السوق؟
من يبني الجند ولا يكسر العلماء؟
من لا يجعل البلاد حقلًا لتجارب غروره؟
تكلم رجلٌ من أهل المال وقال:
— البلاد تحتاج من يعرف الحساب.
فقال آخر من أهل الثغور:
— وتحتاج من يعرف الدم.
وقال شيخٌ من العلماء:
— بل تحتاج من يعرف أن الحساب والدم كلاهما إن لم يدخل عليهما الشرع والرحمة فسدت البلاد.
ثم ساد صمت.
وكان الصمت حينئذٍ أشبه باستدعاء الاسم من بين القلوب.
فقال رجلٌ كبير السن، من أولئك الذين إذا تكلموا قليلًا استمع الناس طويلًا:
— نحن نعرف الرجل الذي بنى أربع سنواتٍ ولم يتوّج نفسه بعدها بكلمةٍ واحدة.
ثم نظر إلى سعيد مباشرةً وقال:
— وأنا أرى أن هذه البلاد لا تجد في هذا الطور أصلح منك.
هنا لم ترتفع الأصوات فورًا بالموافقة كما يفعل الناس في المشاهد المسرحية، بل بدأت الكلمات تتتابع على مهل، وهذا كان أجمل؛ لأن الاتفاق الذي ينضج ببطءٍ أثبت من الحماسة السريعة.
وافق بعضهم صريحًا،
وتردد بعضهم ثم وافق،
وأظهر آخرون تحفظاتٍ في التفاصيل لا في الأصل،
وبقيت قلةٌ في داخلها ما لا يجرؤ اللسان أن يصرح به: غيرة، أو خوفٌ من خسارة نفوذ، أو حسدٌ مقنع بثياب الحرص.
لكن الكفة مالت بوضوح.
ولم يعد السؤال: هل يجلس سعيد؟
بل: كيف يدخل هذا الحكم من غير أن ينكسر ما بناه قبل الجلوس؟