ولما استقر به المجلس، وسكتت الأصوات، تكلم سعيد.
ولم يكن خطابه الأول طويلًا من النوع الذي يحب فيه الناس سماع أنفسهم أكثر من سماع الحقيقة، بل كان محكمًا، واضحًا، يزن الكلمات كما يزن من سيُحاسَب عليها.
قال، فيما معناه، إن البلاد لم تعد تحتمل أن تكون ساحةً يتجاذبها الطامعون ولا أن تُترك للضعفاء حتى ينهشها الأقوى، وإن الحكم الذي يدخل إليه اليوم لا يدخل ليملك الناس بل ليحملهم إلى موضعٍ أصلح.
وقال إن البوسنة لا تُبنى بالسيف وحده، ولا بالسوق وحده، ولا بالمسجد وحده إذا انفصل عن الناس، بل بكل ذلك معًا:
بالعدل،
وبالعلم،
وبالوقف،
وبحفظ الثغور،
وبرفع الظلم عن النساء والضعفاء،
وبتربية الجيل الذي لا يُغرى ببيع البلاد عند أول محنة.
ولم ينسَ أن يربط هذا كله بالله والشرع، لأن الرجل كان يعرف أن السلطة إذا لم تُربط من أول يوم بمعنى أعلى من صاحبها، التهمته وابتلعت مَن حوله.
وكان من أكثر ما لفت السامعين أنه لم يتكلم عن أعدائه كثيرًا، ولا عن خصومه، ولا عن مناوئيه في الداخل، بل تكلم عن الواجب.
ومن تكلم عن الواجب في أول الحكم بدا أصدق ممن يبدأ بحصر خصومه.
بعد الخطاب، التفت بعض الرجال إلى بعضهم البعض، ورأى كثيرٌ منهم أن الرجل لم يأتِ ليزيد النار اشتعالًا، بل ليعيد ترتيب الحطب من أصله.
وهنا بالذات كسب سعيد شيئًا مهمًا:
أن أول يومٍ له لم يكن يوم انتقام، بل يوم توجيه.