باب من الرواية

الباب الخامس: المؤامرة الأولى… لأن الكرسي إذا اقترب، خرجت الأفاعي من جحورها

الفصل الخامس والعشرون — حين جلس سعيد على الحكم

وما إن بدأ اسم سعيد يثبت في المجالس على هذا النحو، حتى خرجت من الظلال أولى الأفاعي.

فالحكم، وإن جاء نتيجة بناء، يظل عند أصحاب النفوس السوداء كأنه قطعة لحمٍ تُخرج المخبوء من شهواتهم.

كان بين القوم رجلٌ من ذوي الوجاهة القديمة، اعتاد أن يرى البلاد مائدةً موزعة بين الأسر الأقوى لا أمانةً تُحمل للأصلح.

ولم يكن يطيق أن يجلس رجلٌ جاء من طريق البناء الاجتماعي والإصلاح الداخلي، لأن مثل هذا الجلوس يفضح ضحالة من اعتادوا وراثة الوجاهة من غير جهد.

بدأ الأمر بشائعاتٍ ناعمة:

أن سعيد رجلُ إصلاحٍ لا رجلُ حكم،

وأن من يصلح الوقف لا يضبط الثغور،

وأن عاطفته على النساء والفقراء قد تفسد هيبة الدولة،

وأن البيت الذي تشارك فيه امرأة مثل صفية في الرؤية قد يدخل البلاد في “لينٍ” غير مأمون.

وكانت هذه الشائعات، في ظاهرها، تبدو آراءً سياسية.

لكن من يعرف النفوس يعرف أن بعضها لم يكن إلا غيرةً رخيصة تحاول أن تتزين بكلماتٍ محترمة.

بلغت الكلماتُ تقي الدين أولًا، فقال لسعيد:

— هذه أول ضريبةٍ لأنك صرت مرئيًا.

فقال سعيد:

— وهل ترى أن نرد؟

قال:

— نرد إذا صار الكلام فعلًا. أما الآن، فدعهم يكشفون أنفسهم أكثر.

أما صفية، فلما سمعت بما يدور، لم تغضب للطعن في اسمها كما قد يظن بعض الناس، بل غضبت لمعنى الجهل الذي خلفه.

قالت لسعيد:

— إذا كان بعضهم يرى أن الرحمة تُضعف الحكم، فهؤلاء لا يعرفون شيئًا لا عن الحكم ولا عن الرحمة.

فقال:

— أعلم.

قالت:

— بل لا بد أن تعلمهم البلاد ذلك بالأثر، لا بالجدال.

وكان هذا جوابها دائمًا:

الأثر قبل المهاترة.

لكن المؤامرة لم تقف عند الشائعات.

بل حاول بعضهم أن يجرّ بعض رجال الثغور إلى التردد، وأن يوحي إليهم أن سعيد أقرب إلى بناء المجتمع منه إلى إمساك السيف، وأن البلاد قد تحتاج “يدًا أشد”.

ولم يكونوا يفهمون أن أشد الأيدي ليست دائمًا أكثرها صراخًا، بل أكثرها ضبطًا.

وهذا ما سيظهر لهم قريبًا.