ولأن البيوت الحية لا تعيش الولادات على مستوى الكبار فقط، فقد كان لكل طفلٍ من أولاد صفية طريقته في استقبال فاطمة.
عبدالملك اقترب منها أولًا في وقارٍ عجيب، ونظر إليها طويلًا ثم سأل:
— هل ستبقى معنا دائمًا؟
فضحكت صفية من السؤال، وقالت:
— نعم.
فقال:
— إذن لا بد أن تعرف المسجد حين تكبر.
فسمعه تقي الدين من بعيد، فابتسم وقال:
— سيعرفها المسجد أيضًا.
وأحمد، كعادته، كان أسرع إلى الكلام من الفهم المكتمل، فقال:
— هل هي تبكي كثيرًا؟
فقالت مريم أمها:
— كل الأطفال يبكون.
فقال:
— إذن فهي مثلنا.
فضحك المجلس.
أما محمد ومريم فكانا يقتربان منها ثم ينظران إلى وجهها الصغير بإعجابٍ صامت، كأنهما يكتشفان أن الطفولة نفسها يمكن أن تكون أصغر منهما.
وعبدالله وقف عند أمّه طويلًا، ولم يمدّ يده، لكنه ظل يحدق في أخته بعينين ثابتتين، كأنه يحاول أن يحفظها في قلبه قبل أن يحملها أحد.
وخديجة وعائشة كانتا أقرب إلى الغيرة الجميلة الممتزجة بالفضول.
إحداهما تريد أن تلمس قماطها، والأخرى تريد أن تُقبّل وجهها، ثم تنسحبان وتعودان.
وكانت صفية تنظر إلى هذا كله وتشعر أن الله يعلّمها مع كل ولادة معنىً جديدًا في هندسة البيت:
كيف يصبح الكبير أخًا،
وكيف يتسع البيت لمن هو أصغر،
وكيف لا يتحول مجيء مولودٍ جديد إلى خصومةٍ خفية، بل إلى توسعة.
قالت لابنتها مريم الصغيرة وهي تراها تقترب من أختها:
— هذه أختك يا مريم.
فقالت الطفلة، وقد تعلقت الكلمة في لسانها نصف تعلق:
— أختي؟
— نعم.
فابتسمت الطفلة ابتسامةً واسعة، وقالت:
— إذن نعطيها دميتي.
وكان هذا العرض الطفولي البسيط من أجمل ما قيل في البيت يومئذٍ.