كانت صفية تعرف، من حياتها القديمة، أن أجمل القلوب قد تضعف إذا تُرك الخير فيها لمجرد المزاج اليومي.
فالناس قد يعطفون اليوم، ويشتغلون غدًا، وينسون بعد غد.
أما المجتمعات، فلا تُبنى بالعواطف العابرة، بل بما يُحوّل العاطفة إلى ترتيب.
لهذا، لما بدأت الحاجات تتوالى، لم ترض أن تبقى المعونات مجردَ عطايا تُعطى باليد وتُنسى أسماء أصحابها بعد ذلك.
قالت لسعيد في أحد المجالس الخاصة:
— الإحسان الذي لا يُصان بنظام، يطول عليه الوقت فيصير منّةً على الفقراء بدل أن يكون حقًا محفوظًا لهم.
فقال:
— وما الذي ترينه؟
قالت:
— الوقف.
ثم أردفت:
— لكن لا الوقف الذي يُكتب في الأوراق ويبقى في رفوف الكتبة، بل الوقف الذي يعرف موضعه ووجهته وأهله.
بدأت بوقفٍ صغير في ظاهره، لكنه كبير في أثره:
أرضٌ أو جزءٌ من غلتها يُخصص لثلاثة أبواب لا يُصرف عنها إلا لبقية الأشد ضرورة:
الأرامل،
والأيتام،
وطلب العلم من الفقراء.
اعترض بعض الرجال أولًا اعتراضَ من لم يفهموا إلا ظاهر الحساب.
قال أحدهم:
— أليس الأولى أن نوجه المال كله إلى تثبيت الحكم والثغور؟
فقالت صفية بهدوءٍ لا يخلو من صلابة:
— الثغور لا يحرسها الجند وحدهم. تحرسها البيوت التي لا ينام أولادها جوعى، والنساء اللواتي لا يبعن أنفسهن للذل، والطلبة الذين لا ينقطعون عن العلم لأنهم فقراء.
فساد الصمت.
ثم قال تقي الدين، وكان حاضرًا:
— هي محقة.
ولم يكن إقراره تصفيةً لمجلسٍ عابر، بل ختمًا على فهمٍ كبير.
فمن لا يرى الاقتصاد الأخلاقي للبلاد جزءًا من حراستها، لا يفهم معنى الدولة أصلًا.
وهكذا صار الوقف الأول، ثم تبعه غيره.
صغيرًا في حجمه، لكنه غيّر المنهج كله:
من صدقةِ اللحظة إلى حقٍّ منظم.