الباب الأول: حين صار الاسم مأوى
لم تنتهِ الحكاية يوم أُغلقت أبواب الحكم الأخيرة، ولا يوم هدأت الأيدي عن السيوف، ولا يوم خفَّت الخيول في الميادين، ولا حتى يوم صار الذين حملوا الدولة تحت التراب أكثر ممن يمشون فوقه.
كل باب في الرواية أصبح صفحة مستقلة. يمكنك قراءته مباشرة أو العودة إلى الفصل المرتبط به.
لم تنتهِ الحكاية يوم أُغلقت أبواب الحكم الأخيرة، ولا يوم هدأت الأيدي عن السيوف، ولا يوم خفَّت الخيول في الميادين، ولا حتى يوم صار الذين حملوا الدولة تحت التراب أكثر ممن يمشون فوقه.
كانت الجدات بعد ذلك، في البيوت البعيدة والقريبة، إذا جلسن إلى الفتيات الصغيرات، لا يروين لهن صفية كما تُروى الأميرات في الحكايات السهلة، لا يبدأن من القصور، ولا من الثياب، ولا من…
أما الرجال، فلم يكونوا يذكرون هذه السلسلة لأبنائهم على صورة الفتح والسيف وحدهما، مع أن في القصة ما يكفي لملء المجالس بصليل الحديد. بل كانوا يفعلون شيئًا أعمق.
ولأن السلسلة دخلت الحرمين من باب أحمد ومحمد، ولأن صفية ربطت الداخل كله من أول البوسنة بالمسجد لا بالسلطة المجردة، فقد بقي أثرهم في المساجد أكثر مما يظنه بعض الناس. كان الإمام إذا…
أما البوسنة نفسها، فلم تبقَ كما كانت قبلهم، ولا حتى كما كانت معهم. لأن بعض البلاد إذا مرّ بها رجالٌ ونساءٌ من هذا الصنف لا تخرج كما دخلت، حتى لو مرّت عليها بعد ذلك عصورٌ أخرى…
أما مكة والمدينة، فلم تحملا من هذه السلسلة مجرد اسم إمامين مرّا بها. بل حملتا معهما المعنى الكامل الذي دخل به أحمد ومحمد إلى الحرمين. في مكة،
قد يظن بعض الناس أن كل ما سبق كان لا بد أن ينتهي إلى الصمت الكامل، إلى قبورٍ متراصة، وإلى بيتٍ يبكي ثم يذوب في التاريخ، لكن الذي منع هذا من الوقوع ليس القوة العسكرية وحدها،
لو قُدّر لكل واحدٍ من هذه السلسلة أن يقول جملةً واحدة عمّا تعلمه من عمره كله، لعلّ الجمل كانت ستخرج هكذا: كانت مريم ستقول: لا تكذّبوا يقين القلب إذا وضع الله فيه نورًا.
تعلمت النساء من صفية أشياء لا تنتهي عند حدود البطولة الظاهرة. تعلمت المرأة المظلومة أنها ليست محكومة أن تصير ظلًا لظلمها. وتعلمت المرأة التي دخلت بيتًا جديدًا وهي خائفة أنها…
أما الرجال، فأظن أن أكثر ما تعلموه من عبدالله ليس كيف يُنتقم، بل كيف يُمنع الانتقام من أن يصير هو الحاكم. وهذا درس نادر.
وأما الحاكم —أي حاكم— إذا مرّ بهذه السلسلة وقلبه مفتوح، فسيتعلم شيئًا عظيمًا: أن المقام ليس ما يجلس عليه، بل ما يبقى منه في قلوب الناس بعد أن يقوم عنه.
وفي النهاية، إذا عاد السائل يسأل من جديد: هل انتصر النور؟ فالجواب لا يزال هو نفسه:
لو أمكن لهذه السلسلة كلها أن تجتمع مرةً أخرى، لا لتقاتل، ولا لتحكم، ولا لتبني مسجدًا أو وقفًا أو راية،
لم يكن الجرح في هذه السلسلة ضيفًا عابرًا. بل كان رفيقًا ملازمًا تقريبًا في كل منعطف. جرح مريم، وجرح صفية،
من الخطأ الكبير أن يقرأ أحدٌ هذه السلسلة فيظن أن سرّها كان الحب فقط. نعم، كان الحب فيها عظيمًا: حب مريم لابنتها، وحب تقي الدين لأهله،
هذه من أوجع الوصايا وأصدقها. فالسلطة في هذه السلسلة لم تكن فكرةً بعيدة، بل كانت خبزهم اليومي، وقلقهم اليومي،
لو أراد أحدٌ أن يختصر هذه الملحمة في رجالها فقط، لخانها من جذورها. لأن النساء فيها لم يكنّ ستارًا خلف الملوك، ولا ظلالًا خلف الأبطال،
هذه الوصية تكاد تكون لُبّ البيت كله. لقد خرج الأبناء إلى الجبال، وحملوا الخيل، وتعلموا الفروسية،
وهذه وصية الرجال الكبار في السلسلة، وربما كانت من أندر ما يورثه التاريخ. فكم من الناس يُحسنون الحمل في بدايته، ثم يفسدون كل شيءٍ لأنهم لا يعرفون كيف يضعون ما حملوه حين يحين الوقت.
لو كان للبيت كله أن يصرخ في وجه من يأتي بعده بوصية واحدة شديدة، لربما قال: إياكم أن تقسّموا البيت. فقد عرفت السلسلة كلها أن أخطر ما يهدد البيوت العظيمة ليس العدو الخارجي دائمًا،
ربما كان الجواب الأوسع عن كل ما سبق هو هذا: أن هذه السلسلة لا تقول للأمة: كونوا مثلنا في الأسماء والوقائع والفتوح والتواريخ. فهذا مستحيل.
لو عادت صفية لحظةً واحدة، لا لتعيش من جديد، بل فقط لتنظر، أظنها ما كانت ستطلب أن ترى القصور،
وهذه، في النهاية، هي الجملة التي تصلح أن تُكتب في صدر السلسلة كلها: النور لا يُهزم… لكنه يطول عليه الليل. لقد طال الليل على مريم، وعلى صفية،
وهكذا، حين نصل إلى آخر السلسلة، لا نشعر أننا أغلقنا كتابًا وحسب، بل نشعر أن بابًا فُتح. بابًا على فهمٍ أوسع للمرأة،