ولم يمهلهم القدر طويلًا حتى أرسل أول اختبار.
فبعد أيامٍ قليلة من الجلوس، جاءهم خبر اضطرابٍ في طرفٍ من الأطراف، ليس تمردًا كبيرًا بعد، لكنه علامة على أن بعض القوى الداخلية والإقليمية تريد أن تختبر الرجل:
هل هو ممن يلينون عند أول اهتزاز؟
أم ممن يبطشون بغير بصيرة فيخسرون الناس؟
أم ممن يعرفون موضع الحزم من موضع الحكمة؟
دخل الخبر على المجلس، وكان بعض الحاضرين يميلون فورًا إلى الشدة الصارخة، وبعضهم إلى التأجيل المفرط.
أما سعيد، فسأل أولًا عن الحقائق:
من بدأ؟
ما طبيعة الاضطراب؟
هل هو ظلمٌ قديم انفجر؟
أم يدٌ خارجية تحرك الداخل؟
أم طمعُ رجلٍ محلي يرى اللحظة مناسبة لرفع نفسه؟
وكان هذا أول ما طمأن تقي الدين.
فالرجل لم يندفع.
لكنه أيضًا لم يتهاون.
وأرسل من يثبت الحدود، ومن يتحقق، ومن يفتح باب التهدئة إن أمكن، ومن يستعد لو لزم الحزم.
فلما خرج الرسل، قال بعض من في المجلس:
— لِمَ لم تعاقب فورًا؟
فقال سعيد:
— لأن الدولة التي تعاقب قبل أن تفهم، تزرع لنفسها خصومًا أكثر مما تُسكت.
ثم أردف:
— لكن الدولة التي تفهم ثم لا تفعل شيئًا، تزرع أيضًا خرابًا. ونحن لا نريد واحدة من الاثنتين.
وهنا عرف أهل المجلس أن الرجل لم يجلس على الحكم ليلبس هيبته فقط، بل ليفكر تحت الضغط.
وكان هذا أول اختبار حقيقي بعد الخطاب.
وقد نجح فيه من حيث بدأ.