باب من الرواية

الباب الأول: السنوات الأربع التي لم يرها المؤرخون السطحيون

الفصل الخامس والعشرون — حين جلس سعيد على الحكم

لم يأتِ يوم جلوس سعيد على الحكم كما تأتي أحلام الطامعين؛

لا على صهوة ضجيجٍ أجوف،

ولا على وقع أبواقٍ تريد أن تقنع الناس أن التاريخ صُنع في ساعةٍ واحدة،

بل جاء كما تأتي الثمار الثقيلة بعد مواسم طويلة من الحرث والسقي والعرق والخوف والانتظار.

أربع سنواتٍ كاملة لم يكن الرجل فيها ملكًا متوجًا، ولا أميرًا يتقدمه السيف وتتبعه الرايات، بل كان شيئًا أصعب من ذلك:

كان بنّاءً.

يرمم ما انكسر في الناس قبل أن يرمم ما انكسر في الحجر،

ويردّ للمساجد أنفاسها،

وللفقراء أسماءهم،

وللنساء حقّهن في أن يكنّ جزءًا من نسيج البلاد لا ظلالًا تُنسى في زواياه،

ويصل بين القرى المتباعدة بخيط ثقةٍ بطيء لا يراه المستعجلون، لكنه هو الذي يحمل الدولة إذا جاءت.

وكان أكثر ما أتعبه في تلك السنوات أنه لم يكن يقاتل عدوًا ظاهرًا فقط، بل يقاتل آثار الانكسار داخل النفوس.

فالبلاد التي عاشت طويلًا على الخوف لا يكفيها أن ترى رجلًا قويًا حتى تطمئن.

إنها تحتاج أن ترى:

خبزًا يصل،

وظلمًا يُرفع،

ومسجدًا يعود حيًا،

وفتاةً تجد من يحمي حياءها،

وأرملةً تجد من يسأل عنها قبل أن تمد يدها،

ورجلًا بسيطًا يعرف أن القادم لا يريد أن يحكمه ليمتصه، بل ليرفعه.

ولذلك، كان سعيد إذا رجع في آخر النهار إلى بيته في البوسنة، وعلى كتفيه غبار الأرض ووجوه الرجال ومشكلات القرى وطلبات الناس، لا يبدو على وجهه وجه ظافرٍ استراح إلى مسيرته، بل وجه رجلٍ فهم أن البناء الصادق أبطأ من الحماسة، لكنه أبقى منها أثرًا.

وكانت صفية ترى هذا التحول فيه بوضوح.

ترى في صمته ليلًا ثقل ما حمله نهارًا، وفي طريقته في النظر إلى الأطفال معنىً جديدًا؛ كأنه لم يعد يرى فيهم أبناءه فقط، بل المستقبل الذي ينبغي أن يجد عند كبره بلدًا أصلح مما وجده آباؤه.

فكانت تقول له أحيانًا:

— ما عدتَ ترجع إلى البيت كما كنتَ ترجع أول البوسنة.

فيقول:

— لأن البوسنة نفسها لم تعد هي نفسها.

فتقول:

— أم لأنك أنت لم تعد أنت؟

فيبتسم ابتسامةً خفيفة، ثم يقول:

— كلاهما.