كان أكثر ما يؤلم صفية في تلك السنة الأرامل.
لا لأنهن وحدهن أكثر الفئات بؤسًا، ولكن لأنها كانت ترى في كثير من وجوههن صورةً مما كان يمكن أن تصير إليه حياتها لو تُركت في القرية المكسورة، أو لو ابتلعها الفسخ الأول، أو لو لم يرسل الله لها سعيدًا، ثم أهلها، ثم البوسنة.
كانت ترى في عين الأرملة المنكسرة ذلك المزيج نفسه من الحياء والخوف والتعود على القلة، والقدرة المرهقة على حمل الحياة من غير سندٍ ظاهر.
في إحدى الجلسات، دخلت عليها امرأة فقدت زوجها في نزاعٍ قديم، وكانت تحمل صبيين وبنتًا.
لم تدخل على هيئة من يطالب، بل على هيئة من اعتاد أن يعتذر عن حاجته قبل أن ينطق بها.
جلست مترددةً عند طرف المجلس، ثم قالت:
— جئتُ لأن فلانة قالت لي: اذهبي إليها… هي تسمع.
فقالت صفية:
— تفضلي.
ثم انتظرت.
وتلك الكلمة البسيطة “تفضلي” قيلت هنا بمعناها الكامل.
لا عجلة،
ولا تضجر،
ولا نظرة من علٍ،
ولا إحساس للمرأة الداخلة أنها ملفٌ ثانوي على طاولة الحكم.
تكلمت الأرملة قليلًا، ثم انفرط الكلام منها دفعةً واحدة.
عن صغارها،
وعن البيت الذي يتآكل،
وعن الجيران الذين يحسنون يومًا ويغيبون أيامًا،
وعن حاجتها إلى ما يبقي ظهرها قائمًا لا إلى كيس دقيق فقط.
فلما فرغت، قالت صفية:
— لن أكتفي بأن أعطيك شيئًا ثم أتركك.
رفعت المرأة رأسها متعجبة.
فأكملت صفية:
— سننظر في عملٍ يصلح لكِ، وفي موضعٍ لولدك الأكبر يتعلم فيه، وفي غلةٍ دورية لا تحتاجين معها أن تطرقي كل باب.
فسألتها المرأة، كأنها لا تصدق:
— كل هذا؟
قالت:
— هذا حقكِ إذا قامت الدولة بحقها.
ثم التفتت إلى إحدى النساء القائمات معها، وقالت:
— سجلي بيتها أولًا، ولا تُؤخروا خبره حتى يبرد.
وكانت تعرف من تجربتها أن تأجيل الخير نوعٌ من موته.
خرجت المرأة وهي تبكي.
لكن بكاءها لم يكن بكاء من أخذ مالًا، بل بكاء من شعر أن أحدًا رآه كاملًا.
وحين رأت صفية دموعها، بقيت ساكتةً طويلًا بعد خروجها، فقالت لها مريم:
— تأثرتِ بها.
فقالت صفية:
— لأنها تشبه بابًا كان يمكن أن يُفتح عليّ لو تركني الله وحدي.