الباب الأول: اليوم الذي فهمت فيه صفية أن القصر ليس بيتًا أكبر، بل بابُ حسابٍ أوسع
لم تكن السنة الأولى من حكم صفية سنةَ استعراضٍ لأنثى بلغت مقامًا يندر أن تبلغه النساء، ولا سنةَ دهشةٍ سطحية عند الناس:
كيف جلست؟
وكيف تكلمت؟
وكيف دخلت إلى مجالٍ كان الرجال يزعمون أنه لهم وحدهم؟
بل كانت في حقيقتها سنةً أخرى تمامًا؛ سنةَ دخول امرأةٍ عرفت الحرمان والبيت الضيق والسقوط والنهضة والولادة والهجرة، إلى موضعٍ لم تعد تُسأل فيه عن بيتها فقط، بل عن بيوت الناس أجمعين.
حين تبدلت الأيام الأولى بعد جلوس سعيد على الحكم، وبدأ الداخل يُرتب على صورةٍ أوضح، أدركت صفية أن القصر —أو الموضع الذي يستقر فيه الحكم— ليس بيتًا أوسع من بيتها فحسب، بل بابًا تتسع فيه المسؤولية حتى تصبح الوجوه التي لا تعرفها في القرى والحواضر جزءًا من حملها اليومي.
لم تعد المرأة التي تعدّ الطعام للصغار، وترد على النساء القادمات، وتدير الرحمة من حول بيتها فقط، بل صارت مطالبة أن تجعل من ذلك كله نظامًا، وأن تحرس المعنى من أن يضيع بين الهيبة والرسميات.
وفي إحدى الليالي الأولى من هذا العهد، جلست وحدها بعد أن نامت فاطمة، وهدأت خديجة وعائشة، وسكن البيت نسبيًا على غير عادته.
كانت في يدها بعض الأوراق الصغيرة التي دُوّنت فيها أسماء نساء، وحاجات أرامل، ومواقع قرى، وأخبار أيتام، ورسائل جاءت من بيوتٍ متباعدة.
وضعت الأوراق أمامها، ونظرت إليها طويلًا، ثم مرّت يدها على جبينها كمن يشعر أن الجبهة نفسها صارت موضعًا لأثقالٍ أكثر مما تحتمل.
دخل سعيد عليها، فرآها على تلك الحال، وقال:
— لم تنامي بعد؟
قالت وهي ترفع الأوراق قليلًا:
— كيف ينام المرء وهذا كله ينظر إليه؟
اقترب منها، وجلس، ثم قال:
— الناس يرون الحكم في المجالس الكبرى والعهود والخطابات.
فقالت:
— وأنا أراه هنا.
ثم أشارت إلى الأوراق وأضافت:
— في أرملةٍ لا تعرف كيف ستُطعم صغارها بعد أسبوع. وفي بنتٍ انقطع بها الطريق إلى التعلم. وفي بيتٍ مريضٍ لا يصل إليه الدواء. وفي امرأةٍ لا تجرؤ أن ترفع حاجتها إلى الرجال.
فنظر إليها طويلاً، ثم قال:
— لهذا أنتِ هنا.
وكانت هذه الجملة، على قصرها، تختصر الفصل كله.
فصفية لم تدخل إلى الحكم لتُرى، بل لتفعل ما لا يراه كثير من الرجال إلا بعد الخراب.
الباب الثاني: شبكة النساء الأولى… حين قررت أن لا تبقى الحاجات متفرقةً في الظلام
منذ أول الشهور، عرفت صفية أن البلاد المكسورة لا يكفيها أن تُفتح لها أبواب المجلس إن لم تُفتح لها أيضًا أبواب السمع.
وكانت النساء في البوسنة —كما رأت بعينها منذ دخولها إليها— يحملن من الآلام ما لا يصل إلى الرجال كاملًا:
حاجاتٌ تُستحى،
وأوجاعٌ تتوارثها البيوت،
ونقصٌ في التعليم،
وترمّلٌ،
ووحدةٌ،
وفقرٌ لا يطلب صاحبه الطعام فقط، بل يطلب أن يعترف أحدٌ بوجوده.
ولهذا، لم تبدأ صفية عملها بإصدار الأوامر من فوق، بل بدأت من حيث بدأت في أصل حياتها كلها: من الإصغاء.
جمعت في الأسابيع الأولى عددًا من النساء اللواتي ظهر لهن من قبلُ صدق الدين، ورجاحة العقل، وقدرة الكتمان، وحسن التصرف.
لم تكن تريد نساءً يكثرن الكلام في المجالس ثم يضيع بين أفواههن ما يأتمنهن الناس عليه،
ولا من يتعاملن مع حاجات النساء بوصفها مادّة فضول،
ولا من يرين القرب من الحكم زينةً شخصية.
أرادت وجوهًا تعرف أن الرحمة مهنةُ قلبٍ قبل أن تكون مهمة يد.
اجتمعن أول مرة في مجلسٍ صغير، بلا أبهة، ولا شعارات، ولا إعلان.
كانت مريم حاضرة، وفاطمة أم سعيد قريبة، وعدد من النساء البوسنيات اللواتي اختبرتهن الأيام القليلة السابقة.
جلست صفية في صدر المجلس، لا بصوت السلطان، بل بصوت الأم التي تعلم أن البيوت تُبنى أولًا من الكلام الصادق.
قالت لهن:
— لا أريد منكن كثرة حركةٍ وقلةَ أثر. ولا أريد أن يكون قربكن من هذا الموضع الجديد بابًا يقال فيه: هؤلاء نساء الحكم. أريد شيئًا آخر.
سكتت قليلًا، ثم أردفت:
— أريد أن تعرف كل قريةٍ أن لها عندنا عينًا تسمعها، لا عينًا تراقبها فقط. وأن كل امرأةٍ لا تستطيع أن تصل إلى مجلس الرجال، لها طريقٌ يصل إلينا.
فقالت امرأةٌ كبيرة من أهل البلاد:
— وما الذي نبدأ به؟
قالت:
— بالأسماء. من هن الأرامل؟ من هن الأشد ضعفًا؟ أين البنات اللواتي انقطع تعليمهن؟ أين البيوت التي لا يصلها المسجد إلا اسمًا؟ أين المرضى؟ أين الأيتام؟
ثم نظرت في وجوههن واحدةً واحدة وأضافت:
— لا نريد الصدقات المتناثرة فقط. نريد أن نعرف أين ينزف الجسد.
وهكذا وُلدت أول شبكة نسائية حقيقية في حكم صفية.
لا مجلسَ زينة، بل شبكةُ عصب.
الباب الثالث: الوقف الأول… حين خرجت الصدقة من المزاج إلى النظام
كانت صفية تعرف، من حياتها القديمة، أن أجمل القلوب قد تضعف إذا تُرك الخير فيها لمجرد المزاج اليومي.
فالناس قد يعطفون اليوم، ويشتغلون غدًا، وينسون بعد غد.
أما المجتمعات، فلا تُبنى بالعواطف العابرة، بل بما يُحوّل العاطفة إلى ترتيب.
لهذا، لما بدأت الحاجات تتوالى، لم ترض أن تبقى المعونات مجردَ عطايا تُعطى باليد وتُنسى أسماء أصحابها بعد ذلك.
قالت لسعيد في أحد المجالس الخاصة:
— الإحسان الذي لا يُصان بنظام، يطول عليه الوقت فيصير منّةً على الفقراء بدل أن يكون حقًا محفوظًا لهم.
فقال:
— وما الذي ترينه؟
قالت:
— الوقف.
ثم أردفت:
— لكن لا الوقف الذي يُكتب في الأوراق ويبقى في رفوف الكتبة، بل الوقف الذي يعرف موضعه ووجهته وأهله.
بدأت بوقفٍ صغير في ظاهره، لكنه كبير في أثره:
أرضٌ أو جزءٌ من غلتها يُخصص لثلاثة أبواب لا يُصرف عنها إلا لبقية الأشد ضرورة:
الأرامل،
والأيتام،
وطلب العلم من الفقراء.
اعترض بعض الرجال أولًا اعتراضَ من لم يفهموا إلا ظاهر الحساب.
قال أحدهم:
— أليس الأولى أن نوجه المال كله إلى تثبيت الحكم والثغور؟
فقالت صفية بهدوءٍ لا يخلو من صلابة:
— الثغور لا يحرسها الجند وحدهم. تحرسها البيوت التي لا ينام أولادها جوعى، والنساء اللواتي لا يبعن أنفسهن للذل، والطلبة الذين لا ينقطعون عن العلم لأنهم فقراء.
فساد الصمت.
ثم قال تقي الدين، وكان حاضرًا:
— هي محقة.
ولم يكن إقراره تصفيةً لمجلسٍ عابر، بل ختمًا على فهمٍ كبير.
فمن لا يرى الاقتصاد الأخلاقي للبلاد جزءًا من حراستها، لا يفهم معنى الدولة أصلًا.
وهكذا صار الوقف الأول، ثم تبعه غيره.
صغيرًا في حجمه، لكنه غيّر المنهج كله:
من صدقةِ اللحظة إلى حقٍّ منظم.
الباب الرابع: الأرامل… الوجوه التي رأت فيها صفية ماضيها لو لم يفتح الله لها بابًا
كان أكثر ما يؤلم صفية في تلك السنة الأرامل.
لا لأنهن وحدهن أكثر الفئات بؤسًا، ولكن لأنها كانت ترى في كثير من وجوههن صورةً مما كان يمكن أن تصير إليه حياتها لو تُركت في القرية المكسورة، أو لو ابتلعها الفسخ الأول، أو لو لم يرسل الله لها سعيدًا، ثم أهلها، ثم البوسنة.
كانت ترى في عين الأرملة المنكسرة ذلك المزيج نفسه من الحياء والخوف والتعود على القلة، والقدرة المرهقة على حمل الحياة من غير سندٍ ظاهر.
في إحدى الجلسات، دخلت عليها امرأة فقدت زوجها في نزاعٍ قديم، وكانت تحمل صبيين وبنتًا.
لم تدخل على هيئة من يطالب، بل على هيئة من اعتاد أن يعتذر عن حاجته قبل أن ينطق بها.
جلست مترددةً عند طرف المجلس، ثم قالت:
— جئتُ لأن فلانة قالت لي: اذهبي إليها… هي تسمع.
فقالت صفية:
— تفضلي.
ثم انتظرت.
وتلك الكلمة البسيطة “تفضلي” قيلت هنا بمعناها الكامل.
لا عجلة،
ولا تضجر،
ولا نظرة من علٍ،
ولا إحساس للمرأة الداخلة أنها ملفٌ ثانوي على طاولة الحكم.
تكلمت الأرملة قليلًا، ثم انفرط الكلام منها دفعةً واحدة.
عن صغارها،
وعن البيت الذي يتآكل،
وعن الجيران الذين يحسنون يومًا ويغيبون أيامًا،
وعن حاجتها إلى ما يبقي ظهرها قائمًا لا إلى كيس دقيق فقط.
فلما فرغت، قالت صفية:
— لن أكتفي بأن أعطيك شيئًا ثم أتركك.
رفعت المرأة رأسها متعجبة.
فأكملت صفية:
— سننظر في عملٍ يصلح لكِ، وفي موضعٍ لولدك الأكبر يتعلم فيه، وفي غلةٍ دورية لا تحتاجين معها أن تطرقي كل باب.
فسألتها المرأة، كأنها لا تصدق:
— كل هذا؟
قالت:
— هذا حقكِ إذا قامت الدولة بحقها.
ثم التفتت إلى إحدى النساء القائمات معها، وقالت:
— سجلي بيتها أولًا، ولا تُؤخروا خبره حتى يبرد.
وكانت تعرف من تجربتها أن تأجيل الخير نوعٌ من موته.
خرجت المرأة وهي تبكي.
لكن بكاءها لم يكن بكاء من أخذ مالًا، بل بكاء من شعر أن أحدًا رآه كاملًا.
وحين رأت صفية دموعها، بقيت ساكتةً طويلًا بعد خروجها، فقالت لها مريم:
— تأثرتِ بها.
فقالت صفية:
— لأنها تشبه بابًا كان يمكن أن يُفتح عليّ لو تركني الله وحدي.
الباب الخامس: المساجد التي بدأت تتنفس
لم تكن صفية ترى المسجد مؤسسةَ رجالٍ وحدهم.
كانت تعرف أن بعض النساء يدخلنه للصلاة، وبعضهن لا يجدن الطريق إليه إلا في المناسبات، وبعضهن يحسبنه موضعًا بعيدًا عن حياتهن اليومية.
لكنها كانت ترى —ببصيرتها الروحية والاجتماعية معًا— أن المسجد إذا عاد يتنفس، عادت البيوت كلها تتنفس معه.
ولهذا دخلت السنة الأولى من حكمها من هذا الباب أيضًا.
لم تتصدر المنابر، ولم تفعل ما لا يليق بترتيب الشريعة والمجتمع، لكنها فعلت ما لا يقل أثرًا:
أصلحت الصلة بين المسجد والبيت،
وبين حلقات العلم والنساء،
وبين الوقف وخدمة بيوت العبادة،
وبين الوعظ المجرد والرحمة العملية.
كانت تقول للنساء اللواتي حولها:
— لا أريد المسجد مكانًا يُسمع فيه الكلام ثم يعود الناس إلى بيوتهم بلا أثر. أريد أن تخرج منه السكينة، والعلم، والحياء، والترتيب.
وقالت مرةً لسعيد:
— إذا كان الرجال يرممون أسقف المساجد، فنحن علينا أن نمنع سقوط المعنى منها.
فقال:
— وكيف؟
قالت:
— بأن لا نترك النساء خارج الدائرة، ولا الفقراء خارج الرحمة، ولا الصغار خارج التربية.
صار فيها حلقاتٌ صغيرة للصغار،
ومواضع منتظمة لتعليم البنات ما يلزمهن،
وتحسن في نظافة بعض المواضع وخدمتها من باب الوقف،
وكانت صفية، كلما دخلت مسجدًا أو سمعت خبرًا عن واحدٍ منها، لا تنظر إلى الجدار أولًا، بل تسأل:
من يحضر؟
من غاب؟
هل وصل العلم إلى النساء؟
هل يعرف الصغار كيف يقفون؟
هل يشعر الفقير أن للمسجد ظلًا عليه؟
تلك الأسئلة الصغيرة كانت في الحقيقة سياسةً كاملة.
الباب السادس: البنات… الباب الذي كانت تعرف أن سقوطه يفسد أجيالًا لا سنةً واحدة
من بين ما شغل صفية في تلك السنة شغلًا عظيمًا: البنات.
لم تنسَ طفولتها، ولا كيف يكون الحرمان إذا اقترن بالأنوثة في بيئةٍ ضيقة، ولا كيف يكون سقوط السمعة أقرب إلى البنات من البنين في المجتمعات الجاهلة، ولا كيف تقف كثير من البيوت على حافة الهاوية لأن فتاةً واحدة لم تجد من يحمي عقلها أو حياءها أو تعليمها.
لهذا، لم تجعل ملف البنات تابعًا لملف النساء العام، بل أفردت له عناية مخصوصة.
قالت في مجلسٍ صغير مع نسائها:
— الأرامل يكسرهن الفقد، والفقراء يكسرهم العجز، لكن البنات قد يُكسرن قبل ذلك كله من جهة المستقبل. إذا ضاعت البنت ضاع بيتٌ لم يُبنَ بعد.
فقالت إحدى النساء الكبيرات:
— وماذا تريدين لهن؟
قالت:
— ثلاثة أشياء أولًا:
أن لا تُقطع الواحدة منهن عن التعلم لذريعة الفقر إن أمكن دفعه،
وأن لا تبقى عرضةً للجهل الذي يجعلها فريسةَ كلامٍ أو سحرٍ أو ابتزاز،
وأن تجد في البلاد من النساء الصالحات من يسمعها قبل أن تسمع هي من يفسدها.
ولأنها كانت تكره تحويل المعاني الكبيرة إلى شعارات، بدأت بأشياء عملية:
رتبت مجالس صغيرة للفتيات تُدار بحكمة وحياء،
وتابعت أخبار من انقطعن عن التعليم،
وجعلت لبعض الأوقاف نصيبًا محددًا في أدوات العلم وكسوة البنات المحتاجات،
وشجعت النساء الصالحات على أن لا تبقى كل واحدة في بيتها تندب فساد الزمان، بل تفتح بابها لفتاة أو اثنتين من الجيران.
وكان هذا العمل في ظاهره لينًا، لكنه في حقيقته تحصينٌ عميق لسنوات قادمة.
وفي أحد الأيام، جاءت إليها فتاةٌ في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، مصفرة الوجه من الخجل والخوف.
جلست طويلًا لا تتكلم، حتى قالت لها صفية:
— لا أريد منك سرعة الجواب. خذي وقتك.
فقالت الفتاة أخيرًا:
— أبي يريد أن يخرجني من التعلم… ويقول إن البنات لا يحتجن ذلك.
هنا أحست صفية بوخزةٍ حادة.
لم تقل ذلك، لكن في قلبها مرّ شريطٌ كامل من طفولتها والبيت الذي لم يمنحها إلا القليل، ثم المدرسة التي صارت باب نجاتها الأول.
فقالت للفتاة:
— سنكلم أباكِ، لكن قبل ذلك أريد منكِ أن تعرفي شيئًا: العلم ليس رفاهيةً للبنت. العلم يحفظ عقلها إذا قست البيوت.
وكانت هذه الجملة تخرج من معدن المجربة، لا من بلاغة الخطب.
الباب السابع: الأطفال في بيت الحكم… كيف كانت تحرس أن لا تأكل الدولة الأمَّ
وعلى كثرة ما دخل على صفية من وجوه الناس ورسائل البلاد، لم تكن تنسى أن في البيت سلالةً تكبر.
عبدالملك لم يعد طفل الساحة الأولى فقط، بل بدأ يرى أباه في صورةٍ أعظم، ويرى الناس يأتون ويذهبون، ويسمع الكلام عن البلاد والثغور والعدل والقرى.
وأحمد كان بطبعه أشد حركةً، فلا بد أن يُضبط من غير كسر.
ومحمد ومريم وعبدالله وخديجة وعائشة وفاطمة، كل واحدٍ منهم يحتاج وجهًا من وجوه الأم لا يصلح فيه نائب.
كانت تعرف أن الدول، إذا اشتدت على بعض الأمهات، ابتلعت منهن الأمومة بالتدريج، حتى يبقى للطفل أمٌّ بالاسم فقط.
وكانت تخاف هذا الباب.
لا من باب العجز، بل من باب العلم بأن البيوت التي تُهمل أبناءها في سنوات التأسيس قد تدفع الثمن سياسيًا بعد جيل.
لذلك كانت تحرس أوقاتًا لا تُمس.
ساعةً للصغار مهما ازدحم النهار،
ومجلسًا بعد العشاء إن أمكن،
وخروجًا معهم إلى أطراف الأرض أو ساحة البيت،
وحديثًا مخصوصًا مع عبدالملك وإخوته الكبار نسبيًا، حتى لا ينشؤوا على أن أمهم صارت اسمًا في الدولة أكثر منها قلبًا في البيت.
وفي مرةٍ قالت لها مريم أمها:
— يا ابنتي، الناس يطلبونك في كل ساعة.
فقالت صفية وهي تمشط شعر مريم الصغيرة:
— أعرف.
— فكيف توفقين؟
فقالت:
— إن خسرنا هؤلاء الصغار، خسرنا ما نبنيه بيد ونهده بالأخرى.
وكانت هذه القاعدة تسري في كل يومٍ من أيام السنة الأولى.
فالحكم الذي يبدأ من إهمال البيت يورث فراغًا أخطر من الهزيمة.
الباب الثامن: الخصوم الصامتون… الرجال الذين ضاقوا بأن للرحمة وجهًا سياسيًا
ولم يكن الجميع مرتاحين لما تفعله صفية.
فبعض الرجال —ممن لا يرون السياسة إلا صفقات رجالٍ وجلسات قوة— ضاقوا بأن تتحول الرحمة المنظمة إلى جزءٍ معتبر من بنية الحكم.
كانوا يستطيعون احتمال رجلٍ عادل ما دام العدل عندهم ينحصر في الجيش والقضاء والجباية والانضباط.
أما أن يصير للنساء صوتٌ منظم، وللوقف وظيفةٌ سياسية أخلاقية، وللأرامل والأيتام موضعٌ حقيقي في حساب الدولة، فذلك مما كان يحرج تصوراتهم القديمة.
بدأوا يهمسون في المجالس:
أن البلاد تُدار بشيءٍ من اللين الزائد،
وأن النساء كثر ذكرهن في المحيط القريب من الحكم،
وأن الفقر لا يُحلّ كله بالإطعام والرعاية،
وأن هيبة الدولة لا تُبنى بهذا الأسلوب “الناعم”.
بلغ بعض هذا الكلام صفية، فلم تغضب لنفسها، بل تبسمت ابتسامةً فيها من المعرفة أكثر مما فيها من السخرية.
وقالت لسعيد:
— بعضهم لا يفهم أن الرحمة إذا نُظمت صارت من أدوات الهيبة، لا من نقائضها.
فقال:
— أعرفهم.
فقالت:
— لا تُكثر مجادلتهم الآن.
— ولماذا؟
— لأن الأثر سيكلمهم بعد أشهر أكثر مما يفعل الجدل.
وكانت محقة.
فالدولة التي يعرف فيها الفقير أن له ظهرًا، والمرأة أن لها بابًا، والإمام أن وراءه سندًا، لا تضعف هيبتها، بل تزداد رسوخًا من حيث لا يفهم المتعجلون.
لكن هذه الهمهمات كانت أول الإنذارات على أن طريق صفية لن يكون معبدًا بالتصفيق.
فكل إصلاحٍ داخلي حقيقي يفضح مصالح كسولة كانت تعيش على بقاء الداخل معطوبًا.
الباب التاسع: الرسائل الأولى من خارج البلاد… حين بدأ الاحترام يسبق الدهشة
مع نهاية الربع الأخير من هذه السنة تقريبًا، بدأت آثار العمل الداخلي تظهر من خارج البوسنة أيضًا.
لم يكن ذلك على هيئة سفراء كبار أو اعترافات رسمية ضخمة، بل في صورةٍ أهدأ، لكنها أدق:
رسائلُ تقدير،
وأخبارُ احترام،
وحديثٌ متناقل عن بيت الحكم الجديد في البوسنة،
وعن الرجل العادل،
والمرأة الحكيمة،
والأوقاف،
وشبكة النساء،
والبنات،
والسيرة التي بدأت تُنسج لا من باب الاستعراض، بل من باب الأثر.
وفي إحدى الأمسيات، دخل رسولٌ على المجلس يحمل كتابًا من جهةٍ بعيدة نسبيًا.
قرأه سعيد أولًا، ثم أعطاه لتقي الدين، ثم التفت إلى صفية وقال:
— يذكرونكِ فيه.
فقالت:
— بماذا؟
قال:
— بما سمعوا عن الأوقاف، وعن حال النساء، وعن نظم الرعاية.
فسكتت قليلاً، ثم قالت:
— إذا خرج هذا إلى الخارج سريعًا، فذلك لأن الداخل كان محتاجًا إليه أكثر مما نظن.
فقال تقي الدين:
— أو لأن العمل الصادق له رائحة لا تبقى محبوسة.
ولم تكن تلك الرسائل تشبع في صفية غرورًا، بل كانت تزيدها حذرًا.
لأن السمعة إذا سبقت العمل كثيرًا أفسدته،
أما إذا لحقت به قليلًا، كانت تثبيتًا.
الباب العاشر: السنة التي لم تشهد فتحًا بالسيف، لكنها فتحت ما هو أعمق
لم يحدث في هذه السنة فتحٌ كبير تُكتب له الملاحم،
ولم تسقط فيها عروشُ خصومٍ بعيدين،
ولم تتحول البوسنة إلى مشهدٍ من مشاهد الصعود الصارخة التي يحب المؤرخون أن يبدؤوا منها حكاياتهم.
لكن شيئًا آخر وقع، وهو عند من يفهم التاريخ أعمق:
أن البلاد بدأت تغيّر وجهها ببطء.
القلوب بدأت تلتفت،
النساء بدأن يثقن،
المساجد بدأت تتنفس،
والرجال الصادقون بدأوا يعرف بعضهم بعضًا.
وكانت صفية تدرك معنى هذا كله.
فقالت لسعيد في ليلةٍ هادئة بعد يومٍ طويل:
— الناس يحبون الفتح الذي له صهيل وسيوف.
فقال:
— لأنه يُرى.
قالت:
— أما هذا الذي يحدث الآن، فلا يراه إلا من عاش الجوع والخوف والقطيعة.
فقال:
— لكنه هو الذي يُبقي ما بعده.
فقالت:
— نعم… الفتح الذي لا يُرى، هو الذي يحمي الفتح الذي يُرى.
ثم سكتا.
وكان بينهما في تلك اللحظة فهمٌ عميق أن السنة الأولى لم تكن سنة منجزاتٍ صاخبة، بل سنة تأسيس تحت الجلد.
الباب الحادي عشر: عبدالملك… الطفل الذي بدأ يرى أمَّه في مقامٍ لا يبعدها عنه
وكان من أجمل ما وقع في تلك السنة أن عبدالملك بدأ يدرك —على طريقته الطفولية الأولى— أن أمَّه ليست مثل باقي الأمهات في محيطه، لكن هذا الإدراك لم يخرجه من حضنها، بل قرّبه منها على صورةٍ أخرى.
دخل عليها يومًا وقد كانت تنظر في أوراقٍ، ثم قالت له:
— ماذا تريد يا عبدالملك؟
فقال:
— أريدك.
فضحكت، وفتحت ذراعيها، فجاء وجلس عندها، ثم نظر إلى الأوراق وقال:
— لماذا يأتونك بهذه الأشياء؟
قالت:
— لأن عندهم حوائج.
— مثلنا؟
— نعم… ومثلنا وأكثر أحيانًا.
ففكر قليلاً، ثم قال:
— إذن إذا كبرتُ، أريد أن أعرف حوائج الناس بسرعة.
فوضعت يدها على رأسه، ونظرت إليه نظرةً طويلة، ثم قالت:
— أولًا تعرّف ما يريد الله منك. ثم بعد ذلك ستعرف الناس.
وكانت هذه الجملة، وهي تُقال لطفل، بذرةً من بذور العهد القادم.
فعبدالملك لن يخرج لاحقًا من فراغ، بل من بيتٍ رأى فيه الدولة من داخلها، لا من شعاراتها فقط.
الباب الثاني عشر: الخاتمة… السنة التي أعدّت الداخل لما بعده
وهكذا تنتهي السنة الأولى من حكم صفية لا على صورة امرأةٍ رفعت اسمها في الدولة، بل على صورة امرأةٍ بدأت تنظّم الرحمة حتى تصير من بنية العدل، وتربط البيوت بالمساجد، والمساجد بالأوقاف، والأوقاف بالأيتام، والأيتام بالعلم، والنساء بالمجالس، والمجالس بحاجات الناس لا بصورتها عن نفسها.
ولذلك لم تنتهِ السنة بانفجار سياسي، بل بتحول داخلي عميق:
البوسنة لم تعد هي البوسنة التي دخلوها،
والحكم لم يعد مجلس رجلٍ واحد،
والداخل لم يعد متروكًا للصدفة.