لم تكن السنة الأولى من حكم صفية سنةَ استعراضٍ لأنثى بلغت مقامًا يندر أن تبلغه النساء، ولا سنةَ دهشةٍ سطحية عند الناس:
كيف جلست؟
وكيف تكلمت؟
وكيف دخلت إلى مجالٍ كان الرجال يزعمون أنه لهم وحدهم؟
بل كانت في حقيقتها سنةً أخرى تمامًا؛ سنةَ دخول امرأةٍ عرفت الحرمان والبيت الضيق والسقوط والنهضة والولادة والهجرة، إلى موضعٍ لم تعد تُسأل فيه عن بيتها فقط، بل عن بيوت الناس أجمعين.
حين تبدلت الأيام الأولى بعد جلوس سعيد على الحكم، وبدأ الداخل يُرتب على صورةٍ أوضح، أدركت صفية أن القصر —أو الموضع الذي يستقر فيه الحكم— ليس بيتًا أوسع من بيتها فحسب، بل بابًا تتسع فيه المسؤولية حتى تصبح الوجوه التي لا تعرفها في القرى والحواضر جزءًا من حملها اليومي.
لم تعد المرأة التي تعدّ الطعام للصغار، وترد على النساء القادمات، وتدير الرحمة من حول بيتها فقط، بل صارت مطالبة أن تجعل من ذلك كله نظامًا، وأن تحرس المعنى من أن يضيع بين الهيبة والرسميات.
وفي إحدى الليالي الأولى من هذا العهد، جلست وحدها بعد أن نامت فاطمة، وهدأت خديجة وعائشة، وسكن البيت نسبيًا على غير عادته.
كانت في يدها بعض الأوراق الصغيرة التي دُوّنت فيها أسماء نساء، وحاجات أرامل، ومواقع قرى، وأخبار أيتام، ورسائل جاءت من بيوتٍ متباعدة.
وضعت الأوراق أمامها، ونظرت إليها طويلًا، ثم مرّت يدها على جبينها كمن يشعر أن الجبهة نفسها صارت موضعًا لأثقالٍ أكثر مما تحتمل.
دخل سعيد عليها، فرآها على تلك الحال، وقال:
— لم تنامي بعد؟
قالت وهي ترفع الأوراق قليلًا:
— كيف ينام المرء وهذا كله ينظر إليه؟
اقترب منها، وجلس، ثم قال:
— الناس يرون الحكم في المجالس الكبرى والعهود والخطابات.
فقالت:
— وأنا أراه هنا.
ثم أشارت إلى الأوراق وأضافت:
— في أرملةٍ لا تعرف كيف ستُطعم صغارها بعد أسبوع. وفي بنتٍ انقطع بها الطريق إلى التعلم. وفي بيتٍ مريضٍ لا يصل إليه الدواء. وفي امرأةٍ لا تجرؤ أن ترفع حاجتها إلى الرجال.
فنظر إليها طويلاً، ثم قال:
— لهذا أنتِ هنا.
وكانت هذه الجملة، على قصرها، تختصر الفصل كله.
فصفية لم تدخل إلى الحكم لتُرى، بل لتفعل ما لا يراه كثير من الرجال إلا بعد الخراب.