باب من الرواية

الباب الحادي عشر: البيت بعد الحكم… الأطفال الذين لم يعرفوا بعد أن التاريخ دخل غرفهم

الفصل الخامس والعشرون — حين جلس سعيد على الحكم

وفي البيت، كان اليوم الكبير يمر على الأطفال بطريقةٍ أخرى تمامًا.

فعبدالملك أحس أن أباه صار أكثر انشغالًا وهيبةً، لكنه لم يفهم بعد كيف يترجم ذلك كله.

وأحمد كان أقرب إلى التباهي الطفولي، يقول لإخوته ما معناه أن أباه صار يجلس حيث يجلس الكبار.

أما محمد ومريم وعبدالله، فقد كانوا يلتقطون من الجو العام تغيرًا، من غير أن يعرفوا اسمه.

وخديجة وعائشة وفاطمة كن في سنٍّ تجعل العالم كله عندهن يبدأ من حضن الأم وينتهي إليه.

لكن الأطفال، على جهلهم الظاهري، كانوا يعيشون في بيتٍ دخل فيه التاريخ فعلًا.

الجند يمرون أكثر،

الرسل يأتون،

الوجوه الجديدة تظهر،

الأوراق والخرائط والحديث عن القرى والثغور يكثر،

وسعيد لم يعد أبًا يعود آخر النهار فيجلس طويلًا كما كان من قبل.

صار يعود أحيانًا متأخرًا، أو يحمل معه رجالًا، أو يجلس مع تقي الدين إلى وقتٍ طويل، أو يستدعي بعض الأبناء الكبار نسبيًا ليروا ويسمعوا من بعيد.

وكانت صفية حريصة ألا يسرق الحكم من البيت روحه.

فإذا رأت الأطفال بدؤوا يشعرون بالمسافة الجديدة مع أبيهم، تعمدت أن تجمعهم حوله في بعض الساعات، أو تخرجهم إليه إذا أمكن، أو تذكره هو نفسه بأن الدولة إن أكلت الأب بالكامل أفسدت في الجيل التالي ما تحاول إصلاحه في البلاد.

ولهذا قالت له ليلةً:

— لا تدعهم يتربون على أن أباهم صار صورةً في آخر المجلس فقط.

فقال:

— أخشى أن أقصّر.

فقالت:

— التقصير هنا لا يظهر اليوم… يظهر بعد أعوام في نفوس الأبناء.

فأطرق رأسه.

وكان من حسن حظه أنها كانت تقول له هذه الأشياء.