الباب الأول: الليلة التي تمدد فيها القلق بين القلب والنافذة
لم تكن تلك الليلة شبيهة بغيرها من الليالي التي مرّت على صفية منذ زواجها بسعيد، ولا حتى شبيهة بالليالي الثقيلة التي عاشتها في مراحل المرض والرؤى والعلاج والانتظار. كانت ليلةً تختلف…
كل باب في الرواية أصبح صفحة مستقلة. يمكنك قراءته مباشرة أو العودة إلى الفصل المرتبط به.
لم تكن تلك الليلة شبيهة بغيرها من الليالي التي مرّت على صفية منذ زواجها بسعيد، ولا حتى شبيهة بالليالي الثقيلة التي عاشتها في مراحل المرض والرؤى والعلاج والانتظار. كانت ليلةً تختلف…
حين أقبل الفجر، بدا البيت كأنه يستيقظ على خبرٍ يعرف أهميته، وإن لم يفهمه. الكوب الموضوع على الطاولة، المعطف المعلّق قرب الباب، المصحف الصغير الذي وضعته صفية في حقيبتها، حتى الساعة…
كانت المدينة في ذلك الصباح تمارس حياتها العادية ببرودةٍ تكاد تكون جارحةً لمن يحمل في قلبه زلزالًا. الناس يعبرون الأرصفة، المحال تُفتح، السيارات تتدفق، والوجوه متشابهة في انشغالها.…
كانت صالة السفر مكتظةً على نحوٍ يجعل المرء يشعر بأن العالم كله عبارة عن فراقات صغيرة متجاورة. ناسٌ يعانقون، وآخرون يودعون، وموظفون ينادون، وحقائب تجرّها أيادٍ مستعجلة، وأصواتٌ…
حين أقلعت الطائرة، شعرت صفية للحظةٍ أن الأرض كلها تنسحب من تحتها، لا على المعنى المادي وحده، بل على المعنى النفسي أيضًا. فالإنسان إذا صعد إلى الجو، لم يعد بينه وبين الأماكن إلا…
توقفت رحلتهما في محطةٍ وسيطة قبل الوصول الأخير. وكان عليهما أن ينتظرا بعض الوقت في صالةٍ أقل ازدحامًا من الأولى، وأكثر هدوءًا. جلست صفية قرب النافذة، وأخذت تتأمل الناس من بعيد،…
لما بدأت بخارستان تلوح في الأفق الأخير، أحست صفية بشيءٍ لا يشبه الفرح الخالص ولا الرهبة الخالصة. كان شعورًا أقرب إلى التعرف الغامض؛ كأن الروح تلمح من بعيد موضعًا كانت تعرفه قبل أن…
كان السائق رجلاً في أواسط العمر، هادئ الصوت، من أولئك الذين يحبون الكلام الخفيف في الطريق الطويل. وحين عرف أن ضيفيه عربيان، صار يحدّثهما عن بخارستان وناسها وأحيائها القديمة، وعن…
توقفت السيارة أخيرًا. وقال السائق: — وصلنا. ولم تتحرك صفية للحظة.
انفتح الباب. وظهرت امرأة. ولم تحتج صفية إلى أكثر من ثانيةٍ واحدة لتعرف أن هذه ليست مجرد امرأةٍ في بيتٍ غريب. كان في وجهها شيءٌ لا يُفسَّر بالشبه وحده، ولا بالحدس وحده، بل بشيءٍ…
لم يكن اللقاء العظيم عند الباب خاتمة الجرح كما يظن من يقرأ الحكايات من ظاهرها، بل كان في الحقيقة بداية الشفاء الصحيحة، والشفاء الصادق لا يأتي دائمًا في صورة سكون، بل كثيرًا ما…
ولأن البيوت الكبيرة لا تعيش بالعاطفة وحدها، فقد جاء بعد اللقاء وقتُ الجلوس، والتعارف، وعودة الأسماء إلى مواضعها العملية. وفي تلك الليلة اجتمع البيت كله حول مائدة عشاءٍ أرادت مريم…
في اليوم الثالث، قال تقي الدين لصفية بعد الفجر: — اذهبي واستعدي… سأخرج بك اليوم. نظرت إليه في دهشةٍ محببة، وقالت: — إلى أين؟
وبعد أيامٍ من سكون القلب النسبي، دعا تقي الدين صفية وسعيدًا إلى مجلسه بعد العصر. كان وجهه يومئذٍ أكثر جديةً من المعتاد، لكنّ في عينيه شيئًا من الضوء الذي يسبق الأخبار السعيدة. قال…
خرجوا بعد يومين إلى المزرعة. كانت تقع في طرفٍ أهدأ من أطراف بخارستان، يجاوره بستانٌ ممتد، وأرضٌ تنحدر برفق نحو جدول ماءٍ صغير، وفي أطرافها أشجارٌ قديمة من الجوز والتفاح، وبعض…
ما إن استقر الرأي على موضع البناء حتى بدأت الحركة. وجيء بالبنّائين والنجارين وأهل الحجر والخشب، وصار المكان الذي كان بالأمس أرضًا ساكنة يتحول بالتدريج إلى ورشة حياة. وكان سعيد من…
وفي أثناء البناء والإقامة، جاء الخبر الذي زاد البيت بهجةً وطمأنينة: وكان في قلب صفية شوق خاص إلى هذه اللحظة. ففاطمة لم تكن أم زوجٍ فحسب، بل كانت من الوجوه القليلة التي لقيت منها…
لم تكن إقامة سعيد في بخارستان إقامة رجلٍ مستريح إلى نعمة المصاهرة فقط، بل كان في داخله شيءٌ آخر يتحرك: رؤيةٌ أبعد من السكن والرزق. وكان تقي الدين يلحظ ذلك فيه، فيأنس به، لأن…
ومع سكون الأيام قليلًا، وقيام البيت على ساقيه الأولى، وامتلاء النفس بشيءٍ من الأمان بعد طول اضطراب، بدأ في جسد صفية تغيرٌ لطيف لم يغب عن عين الأمّين. كانت تُتعبها بعض الروائح،…
في تلك الليلة، بعدما هدأ البيت، ونامت الأصوات، خرجت صفية إلى الساحة الجديدة في المزرعة، وكان بعض الجدار قد ارتفع، ووُضع باب المسجد الصغير في موضعه، وإن لم يكتمل كل شيء بعد. وقفت…
لم يأتِ قرار العودة إلى المدينة فجأةً على هيئة رأيٍ عمليٍّ بارد، كأن أحدهم قال: هناك أطباء أفضل، أو جوٌّ أنسب، أو مكانٌ أصلح للولادة فحسب. بل جاء من موضعٍ أعمق، من ذلك المكان…
منذ اللحظة التي استقر فيها قرار السفر، صار للمزرعة وجهٌ جديد في عين صفية. لم تعد تراها بوصفها الموضع الذي بدأت فيه الحياة الجديدة فقط، بل بوصفها الشيء الذي ستتركه قليلًا لتعود…
أما مريم، فكان في قلبها من هذه العودة شيئان متضادان لا يتصارعان بقدر ما يتجاوران في وجعٍ عجيب: فرحُ الأم التي ترى ابنتها ستضع ولدها الأول في مدينةٍ مباركةٍ قرب الحرم، ووجعُ الأم…
أما تقي الدين، فكان أكثرهم صمتًا في ظاهر الأمر، لكنه كان في الحقيقة أعمقهم اتصالًا بهذا السفر. لم يكن يراه مجرد انتقالٍ لابنته وابنها القادم إلى موضع أنسب للولادة، بل كان يراه…