وما إن استقر الخبر، وأفاق الأطفال واحدًا بعد آخر على أن أختًا جديدة قد جاءت، حتى بدأ البيت المؤقت يؤدي وظيفةً أكبر من السكن.
فالناس في البلاد الجديدة كانوا يرقبون هذه الأسرة القادمة، ويرون في حركتها وأدبها ونظامها شيئًا مختلفًا.
ولم تمضِ أيامٌ كثيرة حتى بدأت النساء المسلمات من القرى المجاورة يأتين، مرةً للسؤال، ومرةً للتهنئة، ومرةً لحاجةٍ خفية:
امرأةٌ تريد دواءً،
وأخرى تسأل عن تعليم بنتها،
وثالثة تحمل في وجهها تعب الأرامل،
ورابعة تأتي لتتعرف فقط على المرأة التي جاءت من بعيدٍ وهي تحمل هذا العدد من الأطفال ولم تفقد على وجهها نور السكينة.
وكانت صفية، على رغم تعب النفاس، تفهم أن هذا الباب لا ينبغي أن يُغلق.
ليس لأنها تريد أن تُتعب نفسها، بل لأنها تدرك أن المشروع الذي جاءوا لأجله لا يبدأ من الخطب، بل من هذه اللقاءات الصغيرة.
فصارت النساء يدخلن عليها، فيجدن بيتًا مرتبًا على قلة الإمكان، وأطفالًا فيهم أدبٌ لا وحشية، وأمًّا متعبة لكنها حاضرة، وجدتين تملآن الجو وقارًا ورحمة، فيخرجن بشعورٍ أن في هذا الموضع شيئًا من الأمان.
وفي إحدى الزيارات، جاءت امرأة بوسنية مسنة تحمل معها خبزًا وقليلًا من الجبن هديةً للمولودة.
جلست قليلًا، ثم قالت لصفية بلغةٍ كسرتها العربية وكسرها الحياء:
— نحن رأينا كثيرين يمرّون على البلاد… تجارًا، ومحاربين، وطلاب دنيا… لكنكم جئتم ومعكم أطفال وقرآن ونساءٌ لا تبدو على وجوههن نيةُ الاستعلاء. هذا يطمئن.
فابتسمت صفية، وقالت:
— جئنا لنعيش معكم لا فوقكم.
فاغرورقت عين العجوز قليلًا، وقالت:
— إذن فهذه الأرض ستفتح قلبها لكم.
وكانت هذه من البشائر التي لا تُكتب في وثائق الحكم، لكنها تسبق الحكم الصحيح دائمًا.