باب من الرواية

الباب الثالث: صفية… المرأة التي كانت تدخل الحكم من الباب الذي لا يراه الرجال المتعجلون

الفصل الخامس والعشرون — حين جلس سعيد على الحكم

وإذا كان الناس قد بدأوا يلتفتون إلى سعيد من جهة العدل والتنظيم والرؤية، فإنهم كانوا يلتفتون في الوقت نفسه إلى صفية من بابٍ آخر لا يقل خطرًا:

باب القلوب.

فالنساء اللواتي عرفنها في البوسنة لم يعرفنها كزوجة رجلٍ صاعد فحسب، بل عرفن فيها مدرسةً من نوع آخر.

كانت تدخل البيوت فتسأل عن الأرامل قبل أن تسأل عن وجهاء العشائر،

وتفهم أن الجوع لا يكون في البطن فقط، بل في الشعور بالأمان،

وترى أن البلاد لا تصلح إذا بقي نصفها النسائي مهملًا أو مكسورًا أو خائفًا.

وفي إحدى الليالي، جلس سعيد وصفية وحدهما بعد أن نام الأطفال أو هدأت حركتهم، وكانت فاطمة صغيرة بعد، بينما ساحة البيت صارت تعرف أقدام عبدالملك وإخوته كما تعرف الأدعية التي تُقرأ فيها آخر الليل.

قال لها سعيد:

— الناس يأتون إليّ من جهة، ويأتون إليكِ من جهة أخرى.

فقالت:

— لأن البلاد نصفان.

قال:

— بل لأنها روح واحدة، لكن الرجال غالبًا لا يرون إلا نصفها الذي يشبههم.

فنظرت إليه، وقالت:

— أتقول هذا حقًا؟

قال:

— نعم. ولو دخلنا الحكم وبيوت النساء مكسورة، فلن تقوم لنا دولةٌ سليمة مهما ضبطنا الأسواق والثغور.

فسكتت قليلًا، ثم قالت:

— إذن إذا جاء الحكم، فلا تجعلني جالسةً خلفك على هيئة زينة.

فقال وهو يبتسم ابتسامةً يعرف فيها معدنها:

— وهل كنتِ كذلك يومًا؟

وكان هذا من الحوارات التي لا يلتفت إليها المؤرخون كثيرًا، لكنها تصنع وجه العهود.

لأن الكرسي إذا جلس عليه رجلٌ وحده في الظاهر، بينما الحقيقة أن وراءه روحًا أخرى تزن الداخل وتفهم الشقوق التي لا يراها، صار الحكم أعمق وأقل عمىً.