الباب الرابع: صفية في زمن الاختبار… كيف تحرس الداخل من الرعب
إذا اشتدت المواجهة على الدول، التفت الناس غالبًا إلى الرجال: من يقاتل؟ من يفاوض؟ من يثبت؟
كل باب في الرواية أصبح صفحة مستقلة. يمكنك قراءته مباشرة أو العودة إلى الفصل المرتبط به.
إذا اشتدت المواجهة على الدول، التفت الناس غالبًا إلى الرجال: من يقاتل؟ من يفاوض؟ من يثبت؟
وهنا يدخل عبدالملك إلى المشهد لا كابنٍ يكبر في بيت الحكم فقط، بل كقادمٍ إلى مقامه الأول. لم يكن عبدالملك قد خرج فجأةً من طفولةٍ بريئة إلى هيبة الحكم دفعةً واحدة، بل نضج نضجًا…
ولأنك شددتَ في خط الرواية على أن سعيد وتقي الدين ربّيا الأبناء على الفروسية، وأفردا لذلك بابًا مستقلًا في السرد، فإن السنة الثالثة كانت من أوضح السنوات التي ظهر فيها أثر هذا…
ولم تكن هذه الصلات صلات تملقٍ سياسي، ولا رسائل مجاملة جوفاء، بل قامت على السيرة التي خرجت من البوسنة خلال السنتين السابقتين: حكمٌ يُعرف بالعدل، وامرأةٌ تُعرف بالحكمة، وأوقافٌ تتسع،
كلما اشتد البناء وظهر، اشتدت معه مقاومةُ بعض الخبث الداخلي. فلم يعد الخصوم يكتفون بالتضييق الخارجي والرقابة والهمس، بل أخذوا يفتشون عن شقوق داخلية: موظفٍ صغير يُشترى، أو رجلٍ من…
مع أواخر هذه السنة، بدأت صفية تشعر أن البلاد قد اجتازت الطور الأخطر من الداخل. ليس بمعنى أنها صارت آمنةً تمامًا أو كاملةَ العافية، فهذا وهم لا تعرفه الأرواح العاقلة، بل بمعنى أن…
ثم جاء اليوم. اليوم الذي بلغ فيه عبدالملك الثامنة عشرة، وبلغت صفية في حكمها تمام السنوات الثلاث. دخل عبدالملك المجلس لا بثوب الفتى الذي يفرح لأن البلاد آلت إليه، بل بثقل من يعرف…
ولذلك، قبل المجلس الكبير، أو في طرفه الذي لا يراه الناس كلهم، خلَتْ به لحظةً. لم تكن لحظة طويلة، لكن بعض اللحظات تقصر في الزمن وتطول في العمر كله. قالت له، وهي تنظر في عينيه…
وهكذا انتهت السنة الثالثة من حكم صفية لا بانسحاب امرأة من كرسي، بل بانكشاف معنى عميق: أن الدولة التي بُنيت على يد سعيد في الخارج، ثم صفية في الداخل، صارت الآن تُسلَّم لعبدالملك…
لم يكن اليوم الأول من حكم عبدالملك يومًا يشبه أيام انتقال السلطان عند المترفين، أولئك الذين يبدلون الأسماء على الأبواب ويظنون أن الدولة قد انتقلت لأن الخاتم انتقل من إصبعٍ إلى…
بعد المجلس الأول، وبعد أن انفضّ الرجال، وسكنت الأفنية، وعاد كلٌّ إلى بيته يحمل انطباعه وأمله وخوفه، بقي عبدالملك وحده مع ليلته الأولى. وهذه الليالي لا يكتبها الكتبة في سجلات…
لم تمضِ أيام كثيرة حتى جاء أول اختبارٍ حقيقي لا في الثغور، بل في المجلس. فما أكثر الدول التي يظن حكامها أن الخطر يأتيهم أولًا من السيوف، بينما كثير من الخراب يبدأ من رجلٍ يدخل…
ولم يكن هذا الخروج عنده ترفًا ولا رغبةً في صنع الصورة. كان يعرف أن الدول إذا اتسعت أوراقها ولم تتسع أقدام حكامها في الأرض، أصابها نوعٌ من العمى البارد. ولذلك، بعد أشهر قليلة من…
لم يكن عبدالملك يخرج إلى الأقاليم وفي ذهنه الثغور والرجال فقط، بل كان يحمل معه تلك العين الأخرى التي ورثها عن صفية: عينَ الداخل. في إحدى القرى، وبينما كان رجال المجلس المحلي…
وفي هذه السنوات الأولى من عهد عبدالملك، لم يكن إخوته مجرد أبناء بيتٍ عظيم يجلسون في الخلف يكتفون بالاسم. كان أحمد ومحمد وغيرهما من الإخوة يتشكلون أيضًا في قلب الدولة، كلٌّ بطبعه…
من الابتلاءات التي جاءت في أوائل عهده سنةٌ خفيفة من قلة المطر في بعض الجهات، لم تكن قحطًا شاملاً، لكنها كانت كافيةً لتكشف هل الدولة تعرف كيف تتحرك عند بوادر الضيق، أم تنتظر حتى…
ولم يكن عبدالملك ممن يرون أن الدولة إذا استقرت في الداخل جاز لها أن تنام عند حدودها. كان يعرف أن بعض الجيران لا يتركون نموذجًا صاعدًا حتى يشتد ما لم يُشعروا أن وراء الرحمة قوّة،…
في هذه المرحلة أيضًا، كان تقي الدين ما يزال حيًا، يشهد صعود حفيده بعينين تملؤهما الرضا والخشية معًا. كان الشيخ قد هدأ جسده قليلًا مع العمر، لكن عقله لم يهدأ، وبصيرته لم تنطفئ.…
لم تكن صفية في السنوات الأولى من عهد عبدالملك مجرد مراقبةٍ فخورة من بعيد، بل كانت ترى كل يوم كيف يخرج ولدها من حيز ابنها إلى حيز رجل البلاد. وكان هذا الانتقال جميلًا في عيون…
مع مرور السنوات الأولى، بدأ الناس يسمون العهد باسمه لا باسم “ابن سعيد وصفية” فقط. وهذا انتقالٌ مهم. ففي البدايات كان كثير منهم يقولون: “ابنهم”،
على خطين متوازيين لا متصادمين، خطِّ الداخل الذي صانه وزاد عليه حضوره الشخصي ورعايته المباشرة، وخطِّ الخارج الذي بدأ به الفتح من غير أن يفرغ البيت وراءه، ومع مواجهةٍ أخذت تشتد من…
ليست الفتوح كلها سواء. بعضها يأتي على قلب الفاتح كأنه امتحانٌ لقوته فقط؛ يرى الأرض أمامه، والخصم بين يديه، والراية في قبضته، فيمضي وفي دمه حرارة الشباب، وفي خياله صورة الظفر أكبر…
كنت قد شددتَ في خط الرواية على أن من حقائق هذا الطور استشهاد إخوة صفية في الجهاد، وأن هذا لا يكون تفصيلًا عابرًا بل جزءًا من نسيج السرد نفسه. ولذلك لم يكن الفقد الأول الذي خالط…
لم يكن فقد الإخوة عند صفية فقدًا سياسيًا ولا بطوليًا باردًا. كان فقدًا حقيقيًا لوجوه عاشت معها في البيت، وأكلت معها من الخبز، وسارت معها من بخارستان إلى البوسنة، وضحكت في المزرعة،…