ليست الفتوح كلها سواء.
بعضها يأتي على قلب الفاتح كأنه امتحانٌ لقوته فقط؛ يرى الأرض أمامه، والخصم بين يديه، والراية في قبضته، فيمضي وفي دمه حرارة الشباب، وفي خياله صورة الظفر أكبر من صورة الثمن.
وبعضها الآخر يأتي بعد أن يعرف المرء لأول مرة أن الطريق لا يفتح أبوابه له وحده، بل يفتح معها أبواب المقابر أيضًا.
وهذا هو الفتح الذي يدخل الروح دخولًا آخر، فلا يعود الرجل يخرج إلى المعركة ليُرى، بل ليحمل ما يعرف أنه قد يكلّف البيت قطعةً جديدة من دمه.
وفي السنوات التي تلت تثبيت عهد عبدالملك، بدأت البلاد تدخل هذا الطور.
لم يعد الخارج مجرد حدودٍ تُراقب،
ولا أطرافٍ تُهدَّأ،
ولا تحركاتٍ محسوبة تختبر صلابة الدولة الناشئة فقط،
بل صار أمام البوسنة أفقٌ أوسع؛
أفقُ ردّ بعض ما ضاع،
وكسر بعض ما استطال من قوى الجوار،
وإشعار الخصوم أن هذا البيت الذي قام على الوقف والقرآن والنساء والقرى والجبال، ليس بيتَ رحمةٍ معزولًا عن بأس الرجال.
وكان عبدالملك قد نضج في هذه اللحظة بما يكفي ليعرف أن الاتساع ليس لعبة حدود، بل أمانة مركبة.
كل خطوةٍ خارجية ينبغي أن يثبت وراءها الداخل،
وكل رايةٍ تخرج ينبغي أن تعرف أين تعود،
وكل رجلٍ يركب ينبغي أن يكون في قلبه من المعنى أكثر مما في يده من الحديد.
لكن الله إذا أراد أن يرفع قومًا إلى طورٍ أعلى من الصدق، لم يتركهم يدخلونه بقلوبٍ لم تختبر الدم بعد.
لم يكن خبرًا سياسيًا فحسب،
ولا اسمًا يُذكر في سجلات الشهداء،
بل كان دخولًا فعليًا للدم الغالي إلى متن الدولة.
وعند هذه اللحظة بالذات خرج عبدالملك من روح الفتى الذي يثبت نفسه للعالم، ودخل روح الرجل الذي يعرف أن العالم قد يطلب منه برهانًا من أقرب الناس إليه.
ولهذا، فإن الفتح بعد الفقد لم يكن عنوانًا بلاغيًا، بل كان وصفًا دقيقًا لتحول العهد كله:
من ثقةٍ فتية في القدرة،
إلى وعيٍ مهيب بالثمن.