الباب الرابع: عبدالملك بعد الدم الأول… الحاكم الذي لم يعد يخرج بروح الفتى
وهنا بدأ التحول العظيم في عبدالملك نفسه. قبل هذا الفقد، كان يخرج إلى المعارك بعينٍ تعرف الخطر، نعم، لكنه ظل في أعماقه يحمل شيئًا من حرارة الفتوة التي تقول للرجل: سأثبت قدرتي،…
كل باب في الرواية أصبح صفحة مستقلة. يمكنك قراءته مباشرة أو العودة إلى الفصل المرتبط به.
وهنا بدأ التحول العظيم في عبدالملك نفسه. قبل هذا الفقد، كان يخرج إلى المعارك بعينٍ تعرف الخطر، نعم، لكنه ظل في أعماقه يحمل شيئًا من حرارة الفتوة التي تقول للرجل: سأثبت قدرتي،…
بعد هذا الدم الأول، لم تتراجع البلاد. بل إن ما وقع فيها كان على العكس: كأن الفقد صقلها، لا كسرها.
كان تقي الدين في هذا الطور من أولئك الشيوخ الذين يصعب على الناس أن يحددوا موضعهم بدقة: هل هو أبٌ للبيت فقط؟ أم جدٌّ للأبناء؟ أم شيخُ دولة؟
وجاء الخبر. لم يأتِ سريعًا كما تأتي أخبار الانتصار، بل جاء على ذلك الإيقاع الذي يجعل القلوب تعرفه قبل أن تُنطق به الألسن. عاد رجلان من الحملة بوجوهٍ يعرف الحزن طريقه إليها، ولم…
لم تتوقف الفتوح بعد استشهاد تقي الدين. وهذه نقطة شديدة الأهمية في بنية العهد كله. فلو توقفت، لبدت الشهادة كأنها نداءُ رجوعٍ إلى الخوف، ولبدا البيت الذي ربّى الرجال على الحق عاجزًا…
ولم يكن رحيلها مجرد وفاة امرأةٍ كبيرة في البيت، بل سقوط سندٍ من الأسانيد التي لا يلتفت التاريخ السياسي غالبًا إلى عمقها، مع أنها تشدُّ البيوت أكثر مما تشدها كثير من القرارات. كانت…
وفي الجهة الأخرى من القلب، كانت مريم أم صفية ما تزال حاضرة، لكن حضورها لم يعد فقط حضور الأم التي استردت ابنتها، بل حضور المرأة التي صارت ترى أبناء ابنتها يكبرون، وترى البوسنة…
ومع هذا كله، لم يبرد العهد. بل على العكس، صارت فتوح عبدالملك أكثر نضجًا وأعمق ثباتًا. لم يعد يطلب منها أن تثبت له فقط أنه أهل للحكم، بل صارت تطلب منه أن يثبت أنه أهل لحمل الدم…
ليست كل الأركان في البيوت الكبيرة أعمدةً ظاهرة. بعضها لا يلفت النظر لأول وهلة، لأن أثره لا يأتي على هيئة كلامٍ كثير، ولا أوامر صريحة، ولا مجالس تصنع حوله الضجيج. بعض الأركان يشبه…
بعد استشهاد تقي الدين، تغيّر شيءٌ في البيت كله. لم ينكسر، لكنه ثقل. ولم تذبل الرايات، لكنها صارت أهدأ في قلوب أهلها. وكان أكثر من ظهر عليه هذا التغيير بطريقته الخاصة فاطمة أم سعيد.
أما سعيد، فكان أشد من شعر بما يجري، وإن لم يرد أن يسميه. الرجال الكبار يعرفون هذا النوع من التحولات في أمهاتهم على نحوٍ لا يحتاج إلى لغة. يعرفون من طريقة النداء، ومن طول النظرة،
ما إن اشتد الضعف بفاطمة أم سعيد قليلًا، حتى انقلب قلب صفية كله نحوها. لم تعد تنظر إليها بوصفها امرأةً كبيرة في البيت تحتاج إلى خدمة وحسب، بل بوصفها ركنًا من تاريخها الشخصي كله.…
ثم جاء اليوم الذي انطفأت فيه فاطمة أم سعيد. ولم يأتِ صاخبًا، بل جاء على الصورة التي تشبهها: هادئًا، متدرجًا،
بعد دفنها، لم يعد البيت هو هو. ليس لأن الجدران تبدلت، بل لأن البيوت تحفظ ظلال من فيها. الزاوية التي كانت تجلس فيها بعد العصر، صوت السبحة في يدها،
كانت المدينة المنورة في حياة مريم شيئًا لا يشبه سائر الأمكنة. ليست مجرد بلدٍ زارته يومًا في سفرٍ طويل مع تقي الدين، ولا موضعًا مباركًا ولدت فيه صفية ثم ضاعت، بل جرحًا كاملًا…
تهيأت الرحلة. ولم تكن رحلة استعراضٍ ولا احتفالًا بموضع حفيد، بل خروجًا فيه من الوقار ما يشبه الحجّ الداخلي. خرجت مريم، ومعها من يلزم من الرفقة، وخرجت معها في الحقيقة أعوامٌ كاملة…
لم يكن محمد، في مقامه في الحرم النبوي، يرى نفسه صاحب مرتبةٍ شرفية فقط، ولا رجلًا بلغ من العلم والعبادة مبلغًا يفاخر به الناس، بل كان يعرف أن في وقوفه هناك شيئًا من جواب الليلة…
هنا قيل لها يومًا إن ابنتها ماتت، وهنا عادت بعد سنين فعرفت أن ابنتها لم تمت، وهنا رأت واحدًا من نسلها إمامًا للحرم، وهنا أغمضت عينيها أخيرًا.
ولم تكن تلك الصلاة صلاة إمامٍ على جنازةٍ من جنائز الناس فقط. كانت صلاة حفيدٍ على امرأةٍ لو لم يكتب الله لها تلك الليلة القديمة بكل ألمها وصبرها، لما قام هو يومًا في موضعه ذلك. كان…
حين عاد خبر موت مريم إلى البوسنة، لم يكن وقعه على صفية كموت فاطمة أم سعيد. مع فاطمة، بكت صفية امرأةً فقدت سندًا من أسانيد البيت الكبير. أما مع مريم، فبكت الطفلة المسروقة في…
بعد موت مريم، تغيّر معنى المدينة في وجدان البيت مرةً أخرى. لم تعد فقط موضع الولادة الأولى لعبدالملك، ولا موضع الجرح الأول لصفية، بل صارت أيضًا موضع وفاة الأم التي كانت أصل الجرح…
وهذا هو المعنى الكبير الذي استقر في البيت بعد هذه الفصول الثلاثة من الفقد: استشهاد تقي الدين، ثم وفاة فاطمة أم سعيد، ثم وفاة مريم أم صفية.
أما محمد، فلم تنتهِ وفاة مريم عند الصلاة عليها. بل دخلت إلى محرابه نفسه من بعد ذلك. صار إذا وقف في المكان الذي كانت تنظر إليه بعيني الرضا وهي تزوره، يشعر أن صوته يحمل شيئًا من…
وهكذا لم تمت مريم في المدينة على صورةٍ عابرة. بل ماتت على صورة خاتمةٍ مستوفاة: أمٌّ قيل لها يومًا إن ابنتها ماتت هناك، ثم عادت بعد السنين فعرفت أن ابنتها لم تمت،