الفصل التاسع والعشرون

الفصل التاسع والعشرون — السنوات الأولى من عهد عبدالملك

حين جلس الفتى على الحكم، ولم يجلس الحكم في قلبه

الباب الأول: المجلس الذي نظر فيه الناس إلى الفتى بعينين

لم يكن اليوم الأول من حكم عبدالملك يومًا يشبه أيام انتقال السلطان عند المترفين، أولئك الذين يبدلون الأسماء على الأبواب ويظنون أن الدولة قد انتقلت لأن الخاتم انتقل من إصبعٍ إلى إصبع.

بل كان يومًا وقفت فيه البوسنة كلها على هيئة سؤال.

الرجال في الثغور،

والنساء في البيوت،

والشيوخ في المساجد،

وأهل القرى البعيدة الذين لم يروا عبدالملك إلا مراتٍ معدودة،

كلهم كانوا ينظرون إلى الفتى بعينين في آنٍ واحد:

عينِ الرجاء،

وعينِ الامتحان.

أما عين الرجاء، فلأن الناس كانوا يعرفون جيدًا من أي بيت خرج.

خرج من رحم جبرٍ قديم،

ومن بيتٍ لم يتربَّ فيه على الترف،

بل على القرآن والجبال والفروسية والوقف والقرى والدمع الذي لا يُقال في المجالس العالية.

وكانوا يرون في ملامحه وقار أبيه،

وفي نظرته سكينة أمه،

وفي وقفته شيئًا من جدّه تقي الدين،

وفي صمته ما يوحي أن هذا الفتى لم يأتِ إلى المجلس من حجرات اللعب، بل من دروسٍ طويلة لم يرها الناس كلها.

وأما عين الامتحان، فلأن البلاد لا تسلّم نفسها كاملةً لمن يجلس على كرسيها ولو أحبته.

القلوب الصادقة قد تُحسن الظن، نعم، لكنها لا تعطل فطرتها في التثبت.

وكان أهل البوسنة، بعد ما مرّ عليهم من حكمٍ وانكسارٍ وفتنٍ وخصومٍ ووعودٍ كاذبة، أذكى من أن يفتتنوا بالمشهد وحده.

كانوا يريدون أن يروا:

كيف يتكلم في أول غضب؟

كيف يحمل أول خيانة؟

كيف يقرأ أول رجلٍ متلون؟

كيف يقف إذا اختلط في المجلس المديح بالخطر؟

وهل إذا خرج من ظل سعيد وصفية، بقي ظلُّهما في روحه أم ضاع في أول وهجٍ شخصي؟

دخل عبدالملك المجلس وقد عرف كل هذا في نفسه قبل أن يعرفه في الناس.

ولذلك لم يكن مشيه مشي فتىً شربته نشوة اللحظة، بل مشي رجلٍ صغير السن كبير الفهم.

مشى كأنما يحمل على كتفيه ما بناه أبوه في الخارج، وما رتبته أمه في الداخل، وما سقاه تقي الدين من وقار، وما خبأته مريم في قلبه من دعاء.

ولما استقر في موضعه، لم يحسّ أنه جلس “فوق” البلاد، بل أحسّ أن البلاد وُضعت أثقالُها في حجره.

وهذا هو أول الفرق بين من يجلسون على الحكم ليكبروا، ومن يجلسون عليه فيصغرون أمامه خشيةً ومسؤولية.

الباب الثاني: الليلة الأولى بعد الجلوس… حين عرف الفتى أن العرش لا يرفع القلب بل يختبره

بعد المجلس الأول، وبعد أن انفضّ الرجال، وسكنت الأفنية، وعاد كلٌّ إلى بيته يحمل انطباعه وأمله وخوفه، بقي عبدالملك وحده مع ليلته الأولى.

وهذه الليالي لا يكتبها الكتبة في سجلات الدول، لكنها هي التي تكشف معادن الحكام.

ماذا يفعل الرجل إذا خلا بنفسه بعد أن صفّق له الناس، أو بايعوه، أو نظروا إليه بوصفه سيد الغد؟

أيفرح كما يفرح الأطفال إذا أُعطوا لعبةً طال شوقهم إليها؟

أم يرتجف في سرّه لأنه يعرف أن ما بين يديه ليس لعبةً ولا مجدًا خالصًا، بل حسابًا يبدأ الآن؟

جلس عبدالملك في غرفةٍ صغيرة داخل بيت الحكم، ولم يطلب أن يبقى معه أحد.

أطفئت بعض المصابيح، وبقي نورٌ واحد خافت عند الجدار، وكانت أوراق قليلة أمامه: أسماء رجال، أخبار ثغور، أحوال قلاع، رسائل قرويين، دفاتر أوقاف، وتقارير من بعض الأقاليم.

وكان المشهد كله، في ظاهره، بسيطًا، لكنه كان في حقيقته صورةً مصغرة للبوسنة نفسها:

خارجٌ يحتاج أن يُحمى،

وداخلٌ يحتاج أن يُصان،

ورجالٌ فيهم الصادق والمتلون،

وأرضٌ واسعة لا تكفيها الخطابات.

دخل عليه سعيد بعد حين.

لم يدخل دخول الأب الذي جاء يربت على ابنه يومَ نجاحه، بل دخول المؤسس الذي يعرف أن الليلة الأولى أخطر من المجلس نفسه.

وقف قليلًا، ثم قال:

— لم تنم.

فقال عبدالملك:

— لم أستطع.

اقترب سعيد، وجلس قبالته، ثم سأل:

— أفرحٌ أم خوف؟

فرفع عبدالملك عينيه إليه، وقال الجملة التي رضيت عنها روح سعيد قبل سمعه:

— ليس فرحًا يا أبي… بل شيءٌ أثقل.

فقال سعيد:

— الحمد لله.

ثم سكت قليلًا، وأخذ إحدى الأوراق بين يديه، وقال:

— الناس يظنون أن الحكم يبدأ من الكرسي.

فقال عبدالملك:

— وأين يبدأ؟

فقال:

— يبدأ من الليلة التي تجلس فيها وحدك، فلا يعجبك صوت نفسك أكثر من صوت الحق.

وكانت هذه أول وصيةٍ في ليل الحكم، لا من جهة التشريف، بل من جهة الحراسة الداخلية.

ثم قال له:

— غدًا سيأتيك من يمدحك لأنك شاب، ومن يختبرك لأنك شاب، ومن يريد أن يقرب منك لأنك صرت الحاكم، ومن يخاف أن تضبطه لأنك لست كغيرك. لا تدع حب الظهور ولا خوف الإساءة يجرّانك إلى قرارٍ واحد.

فقال عبدالملك:

— وكيف أعرف؟

فقال سعيد:

— انظر: من الذي يتكلم عن البلاد أكثر من نفسه؟ ومن الذي إذا دخل عليك أدخل مع اسمه حاجة الناس؟ ومن الذي إذا مدحك أحسستَ أن المديح عنده سلّم لا محبة؟

ثم أضاف:

— الرجال يُقرأون من مواضع جوعهم.

ولم تكن صفية بعيدةً عن هذه الليلة أيضًا.

دخلت بعد خروج سعيد، لا لتزيد عليه الكلام، بل لتضع في ليله بعض ما لا يقوله الرجال.

وقفت عند الباب أولًا، ثم قالت:

— أتيتُ لأناملك وحدها لا تكفي لحمل البلاد.

فابتسم، وقال:

— وهل الأمُّ تمازح في مثل هذه الليلة؟

فقالت:

— لا أمازح.

ثم تقدمت قليلًا وأضافت:

— لا تنسَ الباطن وأنت تحمل الظاهر.

— تقصدين؟

— إذا جاءك خبرُ حصنٍ متمرد، فتذكر معه بيتًا فيه امرأة تخاف أن ينقطع خبزها. وإذا رسموا لك حدودًا على الورق، فاذكر أن وراء الخطوط وجوهًا وأسماءً ومرضى ومآذن وبناتٍ يتعلمن.

ثم قالت، وقد نظرت في عينيه نظرةً يعرفها من طفولته:

— إن حفظتَ الداخل، أعانك الله على الخارج. وإن احتقرتَ الداخل يومًا، أكلك الخارج مهما ربحت منه.

وكان عبدالملك يسمع، ولا يشعر أن الكلام يثقله، بل يشعر أنه يجمعه من جهتين:

جهة الأب الذي يقرأ الرجال والحدود،

وجهة الأم التي تقرأ البيوت والوجوه المنسية.

وهكذا خرج من ليلته الأولى لا مزهوًا، بل متوازنًا.

الباب الثالث: أول اختبار… رجلٌ من أهل النفوذ يدخل من باب النصيحة ويقصد باب الهيمنة

لم تمضِ أيام كثيرة حتى جاء أول اختبارٍ حقيقي لا في الثغور، بل في المجلس.

فما أكثر الدول التي يظن حكامها أن الخطر يأتيهم أولًا من السيوف، بينما كثير من الخراب يبدأ من رجلٍ يدخل عليهم مطأطئ الرأس، متواضع اللفظ، محمّلًا بالنصيحة، وفي قلبه رغبةٌ قديمة أن يضع يده على عصب القرار.

دخل رجلٌ من بقايا الوجاهة القديمة، ممن عاشوا على تخوم الحكم السابق، ولم يسقطوا بسقوطه كل السقوط، بل بقوا في صورة “أهل الخبرة” و”أصحاب السابقة” و”العارفين بأحوال البلاد”.

وكان هذا النوع من الرجال أخطر عند سعيد من بعض الأعداء الصرحاء، لأن العدو الصريح يُعرف، أما هؤلاء فيدخلون عليك بوجوه الوقار ولغة الحرص.

جلس الرجل، وتكلم طويلًا عن البوسنة، وعن خطر الأطراف، وعن حاجتها إلى “حزمٍ لا يلين”، ثم أخذ ينسج بين جملته وجملته رغبةً خفية:

أن يجعله عبدالملك عينه الكبرى على البلاد،

وأن تمرّ معظم الخيوط من يده،

وأن يعيد بناء هرمٍ صغير من النفوذ ينطلق من “خبرته”.

كان عبدالملك يسمع بصمتٍ ظاهر، وفي داخله يتحرك ما تعلمه من أبيه.

يرى أن الرجل يذكر البلاد، نعم، لكنه يعود دائمًا إلى نفسه.

يتكلم عن المصلحة، ثم يلوّح بخدماته.

يحذر من الفساد، لكنه يقدم نفسه كحل لا بديل له.

وكان هذا بالضبط ما قصده سعيد يوم قال: الرجال يُقرأون من مواضع جوعهم.

فلما فرغ الرجل، سكت عبدالملك قليلًا، ثم قال بهدوء:

— أعرف أن لك سابقةً وخبرة، وأعرف أن البلاد تحتاج من جرّبها، لكنني أكره أن يتركز أمرها في يد رجلٍ واحدٍ مهما كان حاذقًا.

فقال الرجل، وقد تحرك فيه قلقٌ خفي:

— أنا لا أطلب ذلك.

فقال عبدالملك:

— بل كل كلامك يطلبه من غير أن يسميه.

وساد صمت.

ثم أردف عبدالملك:

— سننتفع بما عندك، لكننا لن نبني الحكم على رجلٍ يريد أن يكون أقرب إلى الدولة من الدولة نفسها.

ففهم الرجل أنه أمام فتىً لا تُسكره أول مجالس الحكم، وأنه قرأه من أول محاولة.

ولما خرج الرجل، كان في وجهه من الحرج ما يكفي لأن يشي أنه لم يلقَ من عبدالملك ما كان يأمله.

أما سعيد، فلما بلغه الخبر، لم يمدح ابنه طويلًا، بل قال فقط:

— الحمد لله… عرف أول رجلٍ من موضع عطشه.

وكانت هذه أول علامةٍ عنده أن الفتى لم يدخل المجلس أعزل.

الباب الرابع: عبدالملك يخرج إلى الأقاليم… الحاكم الذي يريد أن يرى بعينه قبل أن يسمع بأذنه

ولم يكن هذا الخروج عنده ترفًا ولا رغبةً في صنع الصورة.

كان يعرف أن الدول إذا اتسعت أوراقها ولم تتسع أقدام حكامها في الأرض، أصابها نوعٌ من العمى البارد.

ولذلك، بعد أشهر قليلة من حكمه، أعلن أنه سيخرج إلى عددٍ من النواحي بنفسه، لا ليقيم مواكب استعراض، بل ليرى.

اعترض بعض كبار المجلس أولًا.

قال أحدهم:

— مقامك الآن لا يحتمل هذا القدر من الحركة.

وقال آخر:

— الناس يكفيهم أن تصدر إليهم الأوامر.

لكن عبدالملك قال جملته التي صارت بعد ذلك منسوبةً إليه في أكثر من موضع:

— الأرض لا تُقرأ من الدواوين وحدها.

وخرج.

كانت أول جولة له نحو القرى التي طالما ذكرتها أمه في دفاترها، وذكرتها مجالس أبيه في سياق الحاجة لا الزينة.

دخل قريةً في صباحٍ بارد، من غير أن يسبق دخوله ضجيجٌ كبير.

كان الناس قد علموا بقربه، نعم، لكنهم لم يتهيؤوا له كما يُتهيأ للزيارات التي يُمسح فيها الفقر من وجه الطريق ساعةً ثم يعود بعد انصراف الموكب.

نزل عن فرسه عند الساقية.

وقف عند الماء، ومد يده، ونظر إلى جريه، ثم سأل الرجل القائم عليه:

— كم ينقطع عنكم في الصيف؟

فقال الرجل مترددًا، كأنما لا يصدق أن الحاكم يسأله مباشرةً:

— كثيرًا يا مولاي.

فقال عبدالملك:

— ومن كتب هذا في الدفتر؟

فساد صمتٌ محرج.

ثم قال الرجل:

— لا أدري إن كان قد كُتب أصلًا.

وهنا عرف عبدالملك أن بعض الخراب لا يأتي من ظلمٍ صريح، بل من النسيان المؤسسي.

ثم دخل المسجد الصغير، وجلس إلى الإمام، وسأله عن الصغار، وعن حلقاتهم، وعن حضور النساء من وراء الستر، وعن الأحوال لا عن الخطب وحدها.

وسأل عجوزًا على باب بيتها عن الخبز والبرد والمرض، ولم يأنف أن يقف عند حديثها الطويل المتقطع.

وفي اليوم نفسه، رأى بعينه ما كانت أمه تراه من قبل بالأوراق:

أرضًا لا تكفيها عدالة العنوان،

بل تريد أن يُمشى إليها.

وحين عاد، قال في مجلسه:

— لا أريد بعد اليوم تقريرًا عن قريةٍ لا تكون فيه عينٌ رأت، لا قلمٌ سمع فقط.

وكان هذا التوجيه بداية تحوّلٍ جديد في الإدارة نفسها.

الباب الخامس: عينُ الداخل التي ورثها عن أمه

لم يكن عبدالملك يخرج إلى الأقاليم وفي ذهنه الثغور والرجال فقط، بل كان يحمل معه تلك العين الأخرى التي ورثها عن صفية: عينَ الداخل.

في إحدى القرى، وبينما كان رجال المجلس المحلي يحاولون أن يعرضوا له “أفضل” ما عندهم، لفت نظره بيتٌ في الطرف، لا يخرج منه أحد.

سأل عنه، فتردد القوم، ثم قال واحدٌ منهم:

— بيتُ أرملة.

فقال:

— ولماذا لم تُذكر لي في أول الزيارة؟

فسكت الرجل.

دخل عبدالملك البيت برفقة رجلٍ واحد من خاصته.

وجد المرأة في حالٍ من الحياء والانكسار جعلت ملامحها تتوارى قبل صوتها.

كانت تعرف اسم البيت الحاكم كله من خلال صفية لا من خلال مجالس الرجال.

وحين رأت عبدالملك، ارتبكت أول الأمر، ثم قالت ما لم يتوقعه:

— أنت ابنها.

فقال:

— ابن من؟

قالت:

— ابن صفية.

ولم يقل لها: وأنا الحاكم.

بل سكت لحظة، وشعر أن الجملة نفسها عرّفته بموضعه الحقيقي أكثر مما تعرفه الألقاب.

فهو عند هذه المرأة لم يدخل بيتها بصفته صاحب الختم، بل بصفته ابن المرأة التي رتبت الداخل حتى بلغ أثرها إلى هذا الطرف البعيد.

جلس معها، وسألها عن حاجتها، ثم عن أولادها، ثم عن سبب عدم انتظام ما كان ينبغي أن يصلها من الوقف.

وعاد يحمل في قلبه شيئًا زائدًا على كل زيارة ميدانية:

إحساسًا أن أمه لم تكن فقط جزءًا من تاريخ الحكم، بل جزءًا من وجدان الناس أنفسهم.

وفي ليلته بعد العودة، دخل على صفية وقال لها:

— اليوم دخلتُ بيتًا فعرفتُ أنني لستُ فقط ابن سعيد.

فنظرت إليه، ولم تحتج إلى سؤال طويل، فقال:

— قالت لي امرأةٌ أرملة: أنت ابنها… تقصدكِ.

فسكتت صفية، ولم تتكلم أول الأمر.

ثم قالت في هدوءٍ فيه بعض الدمع:

— الحمد لله إذا كان الناس رأوا فيَّ ما جعلهم يطمئنون بك.

فقال:

— بل رأيتُ أنا فيكِ اليوم شيئًا آخر.

— ماذا؟

— أن الداخل الذي كنتِ ترتبينه لم يكن أرقامًا… كان قلوبًا تحفظ المعروف أكثر مما نحسب.

وكان هذا الاعتراف من عبدالملك من اللحظات التي تربط الأجيال بعضها ببعض من غير ضجيج.

الباب السادس: أحمد ومحمد… الإخوة الذين لم يكونوا ظلالًا في بيت الملك

وفي هذه السنوات الأولى من عهد عبدالملك، لم يكن إخوته مجرد أبناء بيتٍ عظيم يجلسون في الخلف يكتفون بالاسم.

كان أحمد ومحمد وغيرهما من الإخوة يتشكلون أيضًا في قلب الدولة، كلٌّ بطبعه ومعدنه ومجاله.

أما أحمد، فكان أشدهم اندفاعًا في الظاهر، وفيه حدةُ حياةٍ لا تخفى، لكن تحت تلك الحدة قلبٌ يحب الحق إذا وُجّه، ويغضب إذا رأى الباطل وقربه.

وكان سعيد قبل تسليمه الحكم لعبدالملك قد حرس أن لا تتحول حدة أحمد إلى عجلة، ولا شجاعته إلى تهور.

أما محمد، فكان فيه من السكينة والعلم ما يجعل المجلس يهدأ إذا دخل، وإن لم يكن أكثرهم كلامًا.

وكان قلبه أميل إلى المحاريب والعلم، لكنّ ذلك لم يمنعه من فهم الدولة من حوله.

وكان عبدالملك يعرف أن البلاد لا تُبنى برجال نوعٍ واحد، بل تحتاج من يقف على الثغور، ومن يعقل الداخل، ومن يربط السياسة بالعلم، ومن يحمل بين الناس صورة الدين بلا خشونة.

وفي إحدى الليالي، جمعهم عبدالملك في مجلسٍ صغير بلا هيبة رسمية.

جلس هو، وأحمد، ومحمد، وعبدالله الأصغر، وتكلموا في حال البلاد.

قال أحمد:

— نحن نحتاج أن نضرب بيدٍ أقوى في بعض الأطراف.

وقال محمد:

— ونحتاج أن لا نُفسد بعض القلوب التي يمكن ردها لو أُعطيت فرصة.

فنظر عبدالملك إلى الاثنين وقال:

— ولهذا أنا أحتاجكما معًا.

ثم أضاف:

— لا أريد في هذا البيت رجلًا يظن أن الدولة لا تثبت إلا بالشدة، ولا آخر يظن أنها تُدار باللين وحده.

وساد صمتٌ فهم فيه كل واحدٍ أن عبدالملك لا يريد إخوةً في البيت، بل أضلاعًا في البناء.

الباب السابع: سنة الجفاف الخفيفة… حين اختبر الله عدل عبدالملك في الخبز لا السيف

من الابتلاءات التي جاءت في أوائل عهده سنةٌ خفيفة من قلة المطر في بعض الجهات، لم تكن قحطًا شاملاً، لكنها كانت كافيةً لتكشف هل الدولة تعرف كيف تتحرك عند بوادر الضيق، أم تنتظر حتى يصير الناس في شفير الجوع.

بلغت الأخبار مبكرًا.

وبعض الرجال في المجلس أرادوا أن يؤخروا الاستجابة حتى “تتضح الصورة”.

لكن عبدالملك، وقد تعلم من أمه أن الخوف إذا سبق الخبز أفسد القلوب، أمر بأن يُراجع المخزون، وتُفتح أبواب الوقف المخصص للقرى الأبعد، وتُرصد المواضع التي إن تأخر عنها العون صارت مصدر اضطراب.

قال له أحد كبار الكتبة:

— يا مولاي، لو تحركنا في كل نقصٍ صغير، استنزفنا بيت المال.

فقال عبدالملك:

— ولو تأخرنا في كل نقصٍ صغير حتى يكبر، استنزفنا الناس.

ثم أردف:

— أريد أن نمنع الجوع من أن يتعلم الطريق إلى البيوت.

وكانت هذه الجملة مما حفظته صفية عنه طويلًا.

لأنها رأت فيها ثمرة ما غرسه فيها وفيه بيتُهم كله:

أن السياسة لا تبدأ من السيطرة على الرجال فقط، بل من منع الضرر من أن يتجذر.

وفي تلك السنة، تحركت شبكات الوقف والنساء والرجال معًا:

الرجال ينقلون الغلات،

والنساء يحددن البيوت الأكثر هشاشة،

والمساجد تحفظ الكرامة وتمنع أن يتحول التوزيع إلى إذلال،

والديوان يسجل،

وعبدالملك يتابع لا من بعيد، بل بنفسه.

ولم يقع اضطرابٌ كبير.

وهذا في نظر الناس العاديين قد يبدو “عدم حدث”، لكنه في نظر من يفهم الحكم كان نجاحًا بالغًا:

أن تمر بوادر الضيق من غير أن تتحول إلى ندبة اجتماعية عميقة.

الباب الثامن: بداية الامتداد الخارجي… حين حمل عبدالملك السيف ولم يترك خلفه بيتًا خاويا

ولم يكن عبدالملك ممن يرون أن الدولة إذا استقرت في الداخل جاز لها أن تنام عند حدودها.

كان يعرف أن بعض الجيران لا يتركون نموذجًا صاعدًا حتى يشتد ما لم يُشعروا أن وراء الرحمة قوّة، ووراء البناء رجالًا يعرفون كيف يحمونه.

ولهذا بدأ في ترتيب أولى التحركات الخارجية، لا على هيئة حملةٍ عمياء، بل على هيئة اختبارٍ محسوب لقدرة البلاد على أن تجمع بين الداخل المستقر والخارج المتحرك.

اجتمع ذات ليلة مع سعيد، وتقي الدين، وبعض رجال الثغور.

وكان الكلام في أول موضعٍ سيُختبر فيه رجاله وحدوده.

قال أحد القادة:

— الناس في الداخل يحبونك الآن، فلا تكدّر ذلك بمغامرات بعيدة.

فقال عبدالملك:

— إذا تركنا الخارج يظن أن حب الداخل لنا يساوي ضعفنا، جاؤوا هم وكدّروا الداخل بأنفسهم.

ثم أضاف:

— لكنني لا أريد فتحًا يخرج من فراغ. أريد خطوةً تحرس ما وراءها.

فخرجت أولى التحركات الخارجية صغيرةً في ظاهرها، لكنها محكمة.

رجالٌ يعرفون الأرض،

وخطوط إمداد لا تتركهم،

وحضورٌ شخصي من عبدالملك في المواضع التي يلزم أن يُرى فيها لا ليُذكر فقط،

وتواصلٌ مع الداخل حتى لا يشعر الناس أن حكمهم تركهم وراءه وذهب يطلب المجد لنفسه.

وكان هذا هو الفرق بينه وبين كثير من الفاتحين الصغار في التاريخ:

أنه لم يجعل الفتح هروبًا من صعوبة الإدارة، بل امتدادًا لحفظ ما أُدير.

الباب التاسع: تقي الدين… الشيخ الذي رأى في عبدالملك اكتمال بعض ما حلم به

في هذه المرحلة أيضًا، كان تقي الدين ما يزال حيًا، يشهد صعود حفيده بعينين تملؤهما الرضا والخشية معًا.

كان الشيخ قد هدأ جسده قليلًا مع العمر، لكن عقله لم يهدأ، وبصيرته لم تنطفئ.

وكان يجلس إلى عبدالملك في ساعاتٍ لا يحضرها كثير من الناس، يتكلمان في الرجال، وفي الحزم، وفي البلاد، وفي الغرور الذي قد يدخل على الفاتحين الشبان كما يدخل الهواء من شقوق لا تُرى.

قال له مرةً:

— يا عبدالملك، لا يغرك أن الناس إذا أحبوا حاكمهم بالغوا في رؤيته أكبر من نفسه. هذا من أخطر أبواب الفتنة.

فقال:

— وكيف أحمي نفسي؟

قال:

— أن تبقى لك لحظات ترى فيها قبرك، ولو لم تمت بعد.

فسكت عبدالملك، ثم قال:

— وما علاقة القبر بالحكم؟

فقال تقي الدين:

— لأن من نسي آخره أسرع إلى الظلم في أوله.

وفي يومٍ آخر، بعد مجلسٍ فيه مدائح كثيرة من بعض الوفود، خرج عبدالملك إلى جده وقال:

— كثرت عليّ الكلمات اليوم.

فقال تقي الدين:

— إذا كثرت عليك كلمات الناس، فافتح المصحف قبل أن تنام.

— لمَ؟

— حتى تتذكر أن الكلام الأعظم ليس فيهم.

وكانت هذه المدرسة الهادئة هي التي منعت عبدالملك من أن يصبح نسخة شابة متعجرفة من النجاح.

الباب العاشر: صفية ترى اكتمال الصورة… الأم التي عرفت أن الولد خرج من يديها إلى البلاد

لم تكن صفية في السنوات الأولى من عهد عبدالملك مجرد مراقبةٍ فخورة من بعيد، بل كانت ترى كل يوم كيف يخرج ولدها من حيز ابنها إلى حيز رجل البلاد.

وكان هذا الانتقال جميلًا في عيون الناس، لكنه ثقيل في قلب الأم.

كانت تراه يعود من المجالس وقد ثقل صمته،

ويرجع من الأقاليم وفي ثوبه شيءٌ من تراب القرى،

ويقف في المسجد بعد الفجر مدةً أطول،

ويسألها أحيانًا عن بيوتٍ وأرامل ووقوفٍ بأسماء القرى نفسها التي كانت هي تذكرها في سجلاتها من قبل،

فتعرف أنه لم يأخذ منها عاطفةً فحسب، بل ورث عينًا كاملة.

وفي إحدى الليالي، رأته يدخل بعد مجلسٍ مرهق، فجلس دون أن يتكلم.

وضعت أمامه الماء، ثم قالت:

— هذا التعب أعرفه.

فابتسم قليلًا، وقال:

— من أين؟

فقالت:

— من وجه أبيك، ومن وجهي، ومن السنين.

ثم جلست قبالته، وقالت:

— الآن فقط بدأتُ أفهم معنى أن الأم تربي ولدها للبيت، ثم تكتشف أن الله يريده للبلاد.

فنظر إليها، وفي عينيه شيءٌ من الرقة التي لا تظهر كثيرًا في مجالس الرجال، وقال:

— وما زلتُ لكِ.

فقالت مبتسمةً وفي صوتها مرارة جميلة:

— نعم… لكنك لم تعد لي وحدي.

وهذه من الجمل التي تختصر كثيرًا من تاريخ النساء الكبيرات.

المرأة التي تنجب ابنها، وتربيه، ثم تراه يخرج من حضنها إلى حضن أمة، لا تفرح به فرحًا ساذجًا، بل بفرحٍ ممتزجٍ بشيءٍ من الفقد النبيل.

الباب الحادي عشر: الناس يبدأون تسمية العهد باسمه

مع مرور السنوات الأولى، بدأ الناس يسمون العهد باسمه لا باسم “ابن سعيد وصفية” فقط.

وهذا انتقالٌ مهم.

ففي البدايات كان كثير منهم يقولون:

“ابنهم”،

أو “ولد البيت”،

أو “ثمرة سعيد وصفية”،

أما الآن، فقد صاروا يقولون:

“عهد عبدالملك”.

ولم يكن ذلك لأنهم نسوا الأصل، بل لأن الفتى أثبت شخصيته الخاصة فوق الأصل من غير أن يقطع الحبل به.

وهذا نادر.

كثير من أبناء البيوت العظيمة يعيشون حياتهم كلها في ظلّ آبائهم،

وكثيرون ينفصلون عن الظل فيفقدون بركته،

أما عبدالملك فقد فعل شيئًا أصعب:

خرج من الظل وفي يده ضوءه.

قال شيخٌ من أهل الثغور مرةً في مجلسٍ عام:

— كان سعيد مؤسسًا، وكانت صفية روحًا للداخل، أما عبدالملك فصار جمعَ المعنيين في رجلٍ واحد.

ولم يكن في الجملة مبالغة، لأن الناس بدأوا يرون ذلك بالفعل:

يرونه في الأقاليم،

وفي المجلس،

وفي الفتح،

وفي الوقف،

وفي طريقته في النظر إلى الرجال،

وفي صمته الطويل قبل القرار.

وحين بلغ هذا القول صفية، لم تضحك ولم تزهو، بل سكتت طويلًا.

ثم قالت لمريم أمها:

— الحمد لله الذي لم يجعل تعبنا يتوقف عندنا.

فقالت مريم:

— وما تعبكِ إلا بعض ما سقاه الله ليثمر فيه.

الباب الثاني عشر: خاتمة الفصل… الفتى الذي لم يجلس الحكم في قلبه

على خطين متوازيين لا متصادمين،

خطِّ الداخل الذي صانه وزاد عليه حضوره الشخصي ورعايته المباشرة،

وخطِّ الخارج الذي بدأ به الفتح من غير أن يفرغ البيت وراءه،

ومع مواجهةٍ أخذت تشتد من بقايا الحكم القديم وفلوله، لكن الدولة لم تنكسر لأن ما بناه البيت قبل عبدالملك كان نسيجًا لا اسمًا واحدًا.

وفي هذا الطور أيضًا تثبت ملامحه القيادية، ويكبر حتى يغدو الاسم ذاته عهدًا، لا ابنَ عهدٍ فقط. وهذا هو المعنى الذي يهيئ لما بعده من الفتح، ثم لما يأتي بعد ذلك من الأخبار الثقيلة في عهد عبدالملك نفسه: استشهاد تقي الدين، ووفاة فاطمة أم سعيد، ووفاة مريم أم صفية، واتساع عهد عبدالملك، ثم اقتراب اليوم المشؤوم.