باب من الرواية

الباب العاشر: صفية ترى اكتمال الصورة… الأم التي عرفت أن الولد خرج من يديها إلى البلاد

الفصل التاسع والعشرون — السنوات الأولى من عهد عبدالملك

لم تكن صفية في السنوات الأولى من عهد عبدالملك مجرد مراقبةٍ فخورة من بعيد، بل كانت ترى كل يوم كيف يخرج ولدها من حيز ابنها إلى حيز رجل البلاد.

وكان هذا الانتقال جميلًا في عيون الناس، لكنه ثقيل في قلب الأم.

كانت تراه يعود من المجالس وقد ثقل صمته،

ويرجع من الأقاليم وفي ثوبه شيءٌ من تراب القرى،

ويقف في المسجد بعد الفجر مدةً أطول،

ويسألها أحيانًا عن بيوتٍ وأرامل ووقوفٍ بأسماء القرى نفسها التي كانت هي تذكرها في سجلاتها من قبل،

فتعرف أنه لم يأخذ منها عاطفةً فحسب، بل ورث عينًا كاملة.

وفي إحدى الليالي، رأته يدخل بعد مجلسٍ مرهق، فجلس دون أن يتكلم.

وضعت أمامه الماء، ثم قالت:

— هذا التعب أعرفه.

فابتسم قليلًا، وقال:

— من أين؟

فقالت:

— من وجه أبيك، ومن وجهي، ومن السنين.

ثم جلست قبالته، وقالت:

— الآن فقط بدأتُ أفهم معنى أن الأم تربي ولدها للبيت، ثم تكتشف أن الله يريده للبلاد.

فنظر إليها، وفي عينيه شيءٌ من الرقة التي لا تظهر كثيرًا في مجالس الرجال، وقال:

— وما زلتُ لكِ.

فقالت مبتسمةً وفي صوتها مرارة جميلة:

— نعم… لكنك لم تعد لي وحدي.

وهذه من الجمل التي تختصر كثيرًا من تاريخ النساء الكبيرات.

المرأة التي تنجب ابنها، وتربيه، ثم تراه يخرج من حضنها إلى حضن أمة، لا تفرح به فرحًا ساذجًا، بل بفرحٍ ممتزجٍ بشيءٍ من الفقد النبيل.