ولذلك، قبل المجلس الكبير، أو في طرفه الذي لا يراه الناس كلهم، خلَتْ به لحظةً.
لم تكن لحظة طويلة، لكن بعض اللحظات تقصر في الزمن وتطول في العمر كله.
قالت له، وهي تنظر في عينيه مباشرةً:
— يا عبدالملك… الناس سيرون اليوم أنك جلست. لكن لا تدع الحكم يجلس في قلبك على هيئة زهو.
فسكت، وكان يسمع كما سمع منها في طفولته، لكن هذا السمع اليوم كان من بابٍ آخر.
فأكملت:
— لا أنصحك فقط أن تعدل في الرجال والثغور، فهذا سيقوله لك كثيرون. أوصيك بما قد يخفى عنهم:
إذا سمعتَ صهيل الخيل، فاسمع معه بكاء الأرملة.
وإذا قُدمت إليك خرائط الحدود، فاذكر خرائط البيوت.
وإذا مدحك الرجال لأنك حازم، فاسأل نفسك: هل ما زال في يدك موضع رحمة لا تفسد الحزم؟
ثم قالت بعد صمتٍ خفيف:
— نحن لم نبنِ لك شكل دولة فقط. بنينا لك معناها. فلا ترث الشكل وتضيع المعنى.
وكانت الكلمات تهبط عليه لا كبلاغة أمٍّ متأثرة، بل كخلاصة عهدٍ كامل.
فقال لها بصوتٍ منخفض ثابت:
— أخاف يا أمي.
وهنا رفعت عينيها إليه بنظرةٍ امتلأت رضًا، وقالت:
— الحمد لله. من لا يخاف على المعنى لا يصلح له.
ثم وضعت يدها على رأسه لحظة، كما كانت تفعل وهو صغير، لكنّ اللمسة هذه المرة لم تكن للأمومة وحدها، بل للتسليم أيضًا.