ولم تكن هذه الصلات صلات تملقٍ سياسي، ولا رسائل مجاملة جوفاء، بل قامت على السيرة التي خرجت من البوسنة خلال السنتين السابقتين:
حكمٌ يُعرف بالعدل،
وامرأةٌ تُعرف بالحكمة،
وأوقافٌ تتسع،
وشبكاتُ إصلاحٍ داخلي،
وجيلٌ يتربى على القرآن والفروسية،
وبلدٌ لا يرفع رايته على الفقراء، بل يحاول أن يرفعهم معه.
ولذلك جاءت الرسائل والوسائط والوفود الصغيرة أو الصلات المعنوية محملةً بنوعٍ من الاحترام الذي لا يشبه شفقة الخارج على بلدٍ منكسر، بل يشبه التفاتًا إلى موضعٍ بدأ يبني نفسه بناءً يلفت الأنظار.
وكان هذا التطور مهمًا، لأن البلاد إذا خرجت سمعتها من حدود الحاجة إلى حدود الاحترام، تغيرت مكانتها في وجدان أهلها أنفسهم أيضًا.
قرأ سعيد إحدى الرسائل، ثم قال لتقي الدين:
— كنا نخاف أن يسمع الخارج بنا قبل أن نشتد، فإذا به يسمع بما فينا من معنى لا بما فينا من ضجيج.
فقال تقي الدين:
— هذه من نعم الله.
ثم أردف:
— لكن لا تجعلها تسكر قلبك.
فقال:
— لا أخاف على نفسي من ذلك بقدر ما أخاف على من بعدي.
وكانت هذه الكلمة تخرج منه وقد بدأ ينظر إلى عبدالملك نظرةً تختلف عن قبل.
أما صفية، فقد كانت أشد حذرًا من هذه الصلات.
تعرف أن الاحترام الخارجي نعمة، لكنه قد يصير فتنةً إذا استُهلك في الزهو أو جرى توظيفه في الداخل على هيئة استعلاء.
لذلك كانت تقول لنسائها:
— إذا حملت إلينا الأيام وجوهًا من النسب الشريف أو البيوت الرفيعة أو الاحترام البعيد، فإياكن أن تتركن الداخل يظن أننا كبرنا على حاجاته.
ثم تضيف:
— كل صلةٍ لا تزيدنا تواضعًا للمسؤولية، فليست خيرًا كاملاً.
وكانت بهذا تحرس حتى النعمة من أن تنقلب.