باب من الرواية

الباب الأول: المجلس الذي نظر فيه الناس إلى الفتى بعينين

الفصل التاسع والعشرون — السنوات الأولى من عهد عبدالملك

لم يكن اليوم الأول من حكم عبدالملك يومًا يشبه أيام انتقال السلطان عند المترفين، أولئك الذين يبدلون الأسماء على الأبواب ويظنون أن الدولة قد انتقلت لأن الخاتم انتقل من إصبعٍ إلى إصبع.

بل كان يومًا وقفت فيه البوسنة كلها على هيئة سؤال.

الرجال في الثغور،

والنساء في البيوت،

والشيوخ في المساجد،

وأهل القرى البعيدة الذين لم يروا عبدالملك إلا مراتٍ معدودة،

كلهم كانوا ينظرون إلى الفتى بعينين في آنٍ واحد:

عينِ الرجاء،

وعينِ الامتحان.

أما عين الرجاء، فلأن الناس كانوا يعرفون جيدًا من أي بيت خرج.

خرج من رحم جبرٍ قديم،

ومن بيتٍ لم يتربَّ فيه على الترف،

بل على القرآن والجبال والفروسية والوقف والقرى والدمع الذي لا يُقال في المجالس العالية.

وكانوا يرون في ملامحه وقار أبيه،

وفي نظرته سكينة أمه،

وفي وقفته شيئًا من جدّه تقي الدين،

وفي صمته ما يوحي أن هذا الفتى لم يأتِ إلى المجلس من حجرات اللعب، بل من دروسٍ طويلة لم يرها الناس كلها.

وأما عين الامتحان، فلأن البلاد لا تسلّم نفسها كاملةً لمن يجلس على كرسيها ولو أحبته.

القلوب الصادقة قد تُحسن الظن، نعم، لكنها لا تعطل فطرتها في التثبت.

وكان أهل البوسنة، بعد ما مرّ عليهم من حكمٍ وانكسارٍ وفتنٍ وخصومٍ ووعودٍ كاذبة، أذكى من أن يفتتنوا بالمشهد وحده.

كانوا يريدون أن يروا:

كيف يتكلم في أول غضب؟

كيف يحمل أول خيانة؟

كيف يقرأ أول رجلٍ متلون؟

كيف يقف إذا اختلط في المجلس المديح بالخطر؟

وهل إذا خرج من ظل سعيد وصفية، بقي ظلُّهما في روحه أم ضاع في أول وهجٍ شخصي؟

دخل عبدالملك المجلس وقد عرف كل هذا في نفسه قبل أن يعرفه في الناس.

ولذلك لم يكن مشيه مشي فتىً شربته نشوة اللحظة، بل مشي رجلٍ صغير السن كبير الفهم.

مشى كأنما يحمل على كتفيه ما بناه أبوه في الخارج، وما رتبته أمه في الداخل، وما سقاه تقي الدين من وقار، وما خبأته مريم في قلبه من دعاء.

ولما استقر في موضعه، لم يحسّ أنه جلس “فوق” البلاد، بل أحسّ أن البلاد وُضعت أثقالُها في حجره.

وهذا هو أول الفرق بين من يجلسون على الحكم ليكبروا، ومن يجلسون عليه فيصغرون أمامه خشيةً ومسؤولية.