إذا اشتدت المواجهة على الدول، التفت الناس غالبًا إلى الرجال:
من يقاتل؟
من يفاوض؟
من يثبت؟
لكن صفية كانت تعرف أن الرعب إذا دخل البيوت أفسد كثيرًا مما لا يفسده العدو المباشر.
ففي أزمنة التضييق يكثر همس الأمهات،
ويرتجف قلب الأرملة التي تقول: ماذا لو انقطع الذي كان يصل؟
وتخاف الفتاة أن تعود إلى العتمة القديمة إذا ضعف السند،
ويتساءل الإمام في المسجد الصغير: هل يبقى من خلفي أحد إذا اشتد الحصار؟
ويبدأ بعض الرجال الضعفاء في البيوت يفكرون بعقول الخائفين لا بعقول المؤمنين.
ولهذا، لم يكن دور صفية في هذه السنة أن تستمر في العمل العادي فحسب، بل أن تمنع الخوف من أن يصير ثقافةً عامة.
كانت تقول لنسائها:
— لا أريد للناس أن يشعروا أننا كنا في رخاء عابر ثم انكشفنا عند أول اختبار. بل أريدهم أن يروا أن العهد الصادق يُعرف عند الضيق أكثر من الرخاء.
ثم أردفت:
— من دخل إلى القرى الآن بكلمة هادئة، ودفع حاجةً في وقتها، وربط قلبًا بالله قبل أن يربطه بنا، فقد حرس ثغرًا.
وفي بعض الليالي، كانت تجلس مع النساء القائمات معها، وتوزع عليهن أدوارًا ليس فيها مجد ظاهر، لكنها كانت من أهم ما فعله الحكم في تلك المرحلة:
زيارةُ البيوت المرتجفة قبل أن تطلب،
وتثبيت الأرامل،
ومراجعة المخازن الصغيرة،
وربط الناس بالمساجد،
والتأكد أن البنات لا يُسحبن أول ما يشتد الضغط من مجالس العلم بحجة “ليست هذه ساعة تعليم”.
قالت لإحداهن:
— إذا رأيتِ أمًّا بدأت تُخيف بناتها من الغد، فاجلسي معها قبل أن يجلس معها الخوف وحده.
وقالت لأخرى:
— لا تدعي المساجد الصغيرة تضعف حلقتها لأن الرجال مشغولون بالخارج. الداخل إذا برد، تعبنا كلنا.
وكان هذا كله من الحروب التي لا تُسمى حربًا في السجلات، لكنها في الحقيقة حراسةٌ كاملة للروح العامة.