باب من الرواية

الباب الخامس: عبدالملك… الفتى الذي بدأ يخرج من الظل

الفصل الثامن والعشرون — السنة الثالثة من حكم صفية

وهنا يدخل عبدالملك إلى المشهد لا كابنٍ يكبر في بيت الحكم فقط، بل كقادمٍ إلى مقامه الأول.

لم يكن عبدالملك قد خرج فجأةً من طفولةٍ بريئة إلى هيبة الحكم دفعةً واحدة، بل نضج نضجًا متدرجًا يليق ببيتٍ من هذا النوع.

منذ سنوات بخارستان وهو يرى أباه وتقي الدين في الجبال، وفي الخيل، وفي حديث الثغور والقرآن.

ومنذ دخلت أمه إلى الحكم وهو يرى الدفاتر والرسائل ووجوه النساء وملفات القرى.

كان يشرب من البابين معًا:

باب الخارج الذي أسسه سعيد،

وباب الداخل الذي رتّبته صفية.

وفي هذه السنة، بدأ سعيد يأخذه إلى بعض المجالس الصغيرة، لا الكبيرة كلها.

يجلسه في طرف المجلس، ويجعله يسمع أكثر مما يتكلم.

ثم يسأله بعد انفضاض الناس:

— ماذا فهمت؟

وكان هذا السؤال هو مفتاح تربيته.

وفي أحد الأيام، بعد مجلسٍ دار فيه كلام كثير عن رجلٍ محلي يريد أن يُسترضى أكثر مما يستحق، سأل سعيد ابنه:

— ما رأيك؟

فقال عبدالملك بعد صمت:

— ليس كل من يطلب قرب الدولة يريد خيرها. بعضهم يريد أن يقترب ليصير أكبر في نفسه فقط.

فسكت سعيد قليلًا، ثم قال:

— وكيف عرفت؟

قال:

— لأنه تكلم عن نفسه أكثر مما تكلم عن البلاد.

وكان الجواب أكبر من سنه.

أما صفية، فكانت تراه من جهةٍ أخرى.

ترى في سكونه شيئًا يشبه أباه، وفي اتساع نظرته شيئًا يشبه جده، وفي رهافة إحساسه بالداخل شيئًا أخذ من أمّه من غير أن يشعر.

وكان هذا ما يطمئنها ويخيفها معًا.

يطمئنها لأنه ليس فتى طائشًا يفتنه لقب،

ويخيفها لأنها كانت تعرف أن النضج المبكر له أثمان.

وفي إحدى الليالي، دخل عليها عبدالملك بعد أن فرغ من صلاةٍ طويلة نسبيًا على غير عادة أكثر الفتيان، فوجدها في بعض الأوراق.

قال:

— أما زلتِ تعملين؟

فقالت مبتسمة:

— وأنت، أما زلت مستيقظًا؟

فقال:

— كنت أفكر.

— في ماذا؟

فسكت قليلًا، ثم قال:

— في أن البلاد أكبر من أن يحملها رجلٌ واحد.

رفعت رأسها إليه، وشعرت أن الجملة لم تخرج من سمعٍ فقط، بل من فهمٍ بدأ يشتد.

فقالت:

— نعم. ولهذا لا ينبغي أن يفكر من يحكمها أنه وحده أصلها.

ثم أضافت بعد لحظة:

— وإذا جاء يوم وحملتَ منها شيئًا، فاحمل معك دائمًا ما لا يُرى كما تحمل ما يراه الناس.

فقال:

— مثل ماذا؟

قالت:

— مثل خوف الأرملة، وحياء البنت، وتعب القرى، وصبر الرجال الصادقين الذين لا تظهر أسماؤهم في المجالس الكبيرة.

فسكت، ثم أومأ.

وكان هذا من تلك الدروس التي لا تُنسى لأنها لم تُلقَ عليه كوصيةٍ منبرية، بل زُرعت في لحظة صدقٍ بين أم وولدها.