ثم جاء اليوم.
اليوم الذي بلغ فيه عبدالملك الثامنة عشرة، وبلغت صفية في حكمها تمام السنوات الثلاث.
دخل عبدالملك المجلس لا بثوب الفتى الذي يفرح لأن البلاد آلت إليه، بل بثقل من يعرف أن كل من في المكان يحملون معه أعمارًا سبقت سنّه.
كانت هيبته يومها أظهر من كل وقتٍ مضى، لا لأن الثوب تغير، بل لأن المعنى الذي في داخله اشتد.
ونظر إلى أمه أولًا قبل أن ينظر إلى موضعه.
وكانت تلك النظرة وحدها تختصر تاريخًا كاملاً:
من رحم الجبر في المدينة،
إلى بخارستان،
إلى البوسنة،
إلى الجبال،
إلى المجالس،
إلى الوقف،
إلى الثغور،
إلى هذه اللحظة.
أما صفية، فلم ترَ فيه يومها فتىً جميل القسمات أو ابنها الأكبر فقط، بل رأت ثمرة السنين كلها.
رأت فيه ما بناه سعيد في الخارج،
وما رتبته هي في الداخل،
وما سقاه تقي الدين من الوقار،
وما حفظته مريم من الرحمة،
وما حملته بخارستان،
وما شددته البوسنة.
ولذلك لم يكن في قلبها فرحٌ سهل، بل فرحٌ مهيب مشوبٌ بما يشبه الحزن النبيل.
فالأمهات إذا سلّمن أبناءهن إلى المقامات الكبرى، لا يبكين لأنهن يكرهن العلو، بل لأنهن يعرفن أثمانه.