باب من الرواية

الباب الخامس: عينُ الداخل التي ورثها عن أمه

الفصل التاسع والعشرون — السنوات الأولى من عهد عبدالملك

لم يكن عبدالملك يخرج إلى الأقاليم وفي ذهنه الثغور والرجال فقط، بل كان يحمل معه تلك العين الأخرى التي ورثها عن صفية: عينَ الداخل.

في إحدى القرى، وبينما كان رجال المجلس المحلي يحاولون أن يعرضوا له “أفضل” ما عندهم، لفت نظره بيتٌ في الطرف، لا يخرج منه أحد.

سأل عنه، فتردد القوم، ثم قال واحدٌ منهم:

— بيتُ أرملة.

فقال:

— ولماذا لم تُذكر لي في أول الزيارة؟

فسكت الرجل.

دخل عبدالملك البيت برفقة رجلٍ واحد من خاصته.

وجد المرأة في حالٍ من الحياء والانكسار جعلت ملامحها تتوارى قبل صوتها.

كانت تعرف اسم البيت الحاكم كله من خلال صفية لا من خلال مجالس الرجال.

وحين رأت عبدالملك، ارتبكت أول الأمر، ثم قالت ما لم يتوقعه:

— أنت ابنها.

فقال:

— ابن من؟

قالت:

— ابن صفية.

ولم يقل لها: وأنا الحاكم.

بل سكت لحظة، وشعر أن الجملة نفسها عرّفته بموضعه الحقيقي أكثر مما تعرفه الألقاب.

فهو عند هذه المرأة لم يدخل بيتها بصفته صاحب الختم، بل بصفته ابن المرأة التي رتبت الداخل حتى بلغ أثرها إلى هذا الطرف البعيد.

جلس معها، وسألها عن حاجتها، ثم عن أولادها، ثم عن سبب عدم انتظام ما كان ينبغي أن يصلها من الوقف.

وعاد يحمل في قلبه شيئًا زائدًا على كل زيارة ميدانية:

إحساسًا أن أمه لم تكن فقط جزءًا من تاريخ الحكم، بل جزءًا من وجدان الناس أنفسهم.

وفي ليلته بعد العودة، دخل على صفية وقال لها:

— اليوم دخلتُ بيتًا فعرفتُ أنني لستُ فقط ابن سعيد.

فنظرت إليه، ولم تحتج إلى سؤال طويل، فقال:

— قالت لي امرأةٌ أرملة: أنت ابنها… تقصدكِ.

فسكتت صفية، ولم تتكلم أول الأمر.

ثم قالت في هدوءٍ فيه بعض الدمع:

— الحمد لله إذا كان الناس رأوا فيَّ ما جعلهم يطمئنون بك.

فقال:

— بل رأيتُ أنا فيكِ اليوم شيئًا آخر.

— ماذا؟

— أن الداخل الذي كنتِ ترتبينه لم يكن أرقامًا… كان قلوبًا تحفظ المعروف أكثر مما نحسب.

وكان هذا الاعتراف من عبدالملك من اللحظات التي تربط الأجيال بعضها ببعض من غير ضجيج.