لم تمضِ أيام كثيرة حتى جاء أول اختبارٍ حقيقي لا في الثغور، بل في المجلس.
فما أكثر الدول التي يظن حكامها أن الخطر يأتيهم أولًا من السيوف، بينما كثير من الخراب يبدأ من رجلٍ يدخل عليهم مطأطئ الرأس، متواضع اللفظ، محمّلًا بالنصيحة، وفي قلبه رغبةٌ قديمة أن يضع يده على عصب القرار.
دخل رجلٌ من بقايا الوجاهة القديمة، ممن عاشوا على تخوم الحكم السابق، ولم يسقطوا بسقوطه كل السقوط، بل بقوا في صورة “أهل الخبرة” و”أصحاب السابقة” و”العارفين بأحوال البلاد”.
وكان هذا النوع من الرجال أخطر عند سعيد من بعض الأعداء الصرحاء، لأن العدو الصريح يُعرف، أما هؤلاء فيدخلون عليك بوجوه الوقار ولغة الحرص.
جلس الرجل، وتكلم طويلًا عن البوسنة، وعن خطر الأطراف، وعن حاجتها إلى “حزمٍ لا يلين”، ثم أخذ ينسج بين جملته وجملته رغبةً خفية:
أن يجعله عبدالملك عينه الكبرى على البلاد،
وأن تمرّ معظم الخيوط من يده،
وأن يعيد بناء هرمٍ صغير من النفوذ ينطلق من “خبرته”.
كان عبدالملك يسمع بصمتٍ ظاهر، وفي داخله يتحرك ما تعلمه من أبيه.
يرى أن الرجل يذكر البلاد، نعم، لكنه يعود دائمًا إلى نفسه.
يتكلم عن المصلحة، ثم يلوّح بخدماته.
يحذر من الفساد، لكنه يقدم نفسه كحل لا بديل له.
وكان هذا بالضبط ما قصده سعيد يوم قال: الرجال يُقرأون من مواضع جوعهم.
فلما فرغ الرجل، سكت عبدالملك قليلًا، ثم قال بهدوء:
— أعرف أن لك سابقةً وخبرة، وأعرف أن البلاد تحتاج من جرّبها، لكنني أكره أن يتركز أمرها في يد رجلٍ واحدٍ مهما كان حاذقًا.
فقال الرجل، وقد تحرك فيه قلقٌ خفي:
— أنا لا أطلب ذلك.
فقال عبدالملك:
— بل كل كلامك يطلبه من غير أن يسميه.
وساد صمت.
ثم أردف عبدالملك:
— سننتفع بما عندك، لكننا لن نبني الحكم على رجلٍ يريد أن يكون أقرب إلى الدولة من الدولة نفسها.
ففهم الرجل أنه أمام فتىً لا تُسكره أول مجالس الحكم، وأنه قرأه من أول محاولة.
ولما خرج الرجل، كان في وجهه من الحرج ما يكفي لأن يشي أنه لم يلقَ من عبدالملك ما كان يأمله.
أما سعيد، فلما بلغه الخبر، لم يمدح ابنه طويلًا، بل قال فقط:
— الحمد لله… عرف أول رجلٍ من موضع عطشه.
وكانت هذه أول علامةٍ عنده أن الفتى لم يدخل المجلس أعزل.