الباب الأول: اليوم الذي لم يبدأ كالأيام التي تُكسر فيها الأمم
لم يكن ذلك اليوم يبدأ على صورة الأيام التي يُكتب فيها لأمةٍ أن تنكسر في ساعة. لم تصحُ البوسنة على ريحٍ سوداء، ولا على زلزلةٍ تُنذر من الفجر، ولا على سماءٍ مقلوبة اللون،
كل باب في الرواية أصبح صفحة مستقلة. يمكنك قراءته مباشرة أو العودة إلى الفصل المرتبط به.
لم يكن ذلك اليوم يبدأ على صورة الأيام التي يُكتب فيها لأمةٍ أن تنكسر في ساعة. لم تصحُ البوسنة على ريحٍ سوداء، ولا على زلزلةٍ تُنذر من الفجر، ولا على سماءٍ مقلوبة اللون،
“لم تسقط السيارة بعد. ولم ينفجر الدم في الطريق بعد.” وهذا وحده يكفي ليفتح في الرواية صورة الكارثة كاملة: لم يكن موتهم سقوطًا في ساحة حرب، بل انفجارًا في طريقٍ، وضربةً فُخِّخت لها…
ثم وقع. لا يحتاج الانفجار إلى زمنٍ طويل حتى يصنع دهرًا كاملاً في ذاكرة أمة. لحظةٌ واحدة، يتمزق فيها الهواء،
الأخبار العظيمة لا تسافر كغيرها. لا تُحمل بالكلمات فقط، بل بالوجوه، وبالركض،
لكن لا ينبغي للسرد أن يظلمه في هذه اللحظة فيصوره آلةً باردة. فعبدالله لم يكن حجرًا. كان أخًا لعبدالملك، وابنًا لسعيد،
أما البيت، فلم يسمع الخبر بعقل الدولة فقط، بل بعقل القرابة والسنين. البنات سمِعن أن شيئًا عظيمًا وقع، والصغار رأوا الوجوه فانكسر الأمان فيهم قبل أن يفهموا الأسماء، والنساء عرفن من…
لم يكن أسد الإسلام يومها طفلًا صغيرًا غافلًا، ولا رجلًا كاملاً استوى على حمل البلاد، بل كان في ذلك المنزلق المرّ بين الفتوة والرجولة، حين يستطيع القلب أن يفهم حجم الكارثة لكنّه لا…
من أوجع ما في الكوارث الكبرى أنها لا تترك للناس الزمن الطبيعي للانتقال. لا يموت الرجل اليوم، ثم تعقد الأمة شأنها غدًا أو بعد غد، ولا يُدفن الأب أولًا، ثم يُهيأ الابن لما بعده. بل…
لم يكن دفنهم دفن ثلاثة أجساد فقط. كان دفنَ مرحلة. دفنوا سعيدًا، فدُفن معه المؤسس الذي حمل البيت من بين الآلام والقرى والرحلات إلى بخارستان والبوسنة والدولة والفتح.
أول ليلة بعد القبور ليست مثل ما بعدها. فيها يكون البيت موجودًا كما هو في الظاهر، لكن الأرواح تعرف أن شيئًا لا يعود بعد هذه الليلة كما كان. في تلك الليلة، لم يَنم أحدٌ نومه الطبيعي.
في الجهة الأخرى، كان الخصوم يظنون أن الضربة قد حققت غايتها الكاملة. لقد سقط الثلاثة معًا، وتفجرت السيارة، وهزّ الخبر البوسنة،
تفجير، وسقوط السيارة، وخروج عبدالملك وصفية وسعيد من الدنيا معًا، ثم دخول الدولة والبيت في طورٍ اسمه نفسه كافٍ لوصفه:
في بعض المصائب، يُعطى الإنسان وقتًا ليبكي أولًا ثم يُسأل بعد ذلك: ماذا ستفعل؟ أما عبدالله، فلم يُعطَ هذا الترف. ما إن انقضى هدير التفجير، وسقطت الأسماء الثلاثة دفعةً واحدة من سماء…
عاد إلى البيت، أو إلى ما بقي من صورته المعنوية بعد أن فارقته أرواحه الكبرى، فوجد أن الحزن فيه لا يشبه الحزن في البيوت العادية. لأن البيوت الصغيرة إذا مات منها واحدٌ أو اثنان، بقيت…
لم يشيّعوا ثلاثة أجساد فقط. شيّعوا طورًا كاملًا من التاريخ. مضى سعيد، فدفنوا معه الرجل الذي حمل البذرة من بخارستان إلى البوسنة، ومن البيت الصغير إلى الدولة، ومن الرحمة الخاصة إلى…
ما أسرع ما يدخل الثأر على الرجال إذا فُجِعوا. وما أسهل أن يتزين عند بعضهم باسم الرجولة والوفاء والدم. وكان عبدالله رجل ثغور، ورجل دم، ورجل سيوف، فلا عجب أن أول ما هاج في صدره بعد…
كانت السنة الأولى بعد التفجير هي الأصعب بلا منازع. ليس لأنها شهدت أخطر المعارك فقط، بل لأنها شهدت أخطر شيءٍ من نوع آخر: هل تستطيع الدولة أن تستمر؟ وهذا سؤال أوجع من كثير من الحروب.
وكان هذا أمرًا يمكن أن يضيع بسهولة. فكثير من الرجال إذا ماتت المرأة المؤسسة في البيت أو الدولة، تعاملوا مع ما صنعته كأنه بعض آثار العاطفة التي يمكن تركها للزوال مع مرور الوقت. لكن…
لكن هذا لم يبدأ بأمرٍ إداري فقط، بل بدأ في البيت. أسد الإسلام، بعد التفجير، كان ابنًا شهيد الأب، شهيد الأم بالمعنى التربوي والروحي، وابن البيت الجريح كله.
وفي الجهة الأخرى كان عمر بن عبدالله يشتد. لكن قبل هذا التحديد الزمني، كان البناء يبدأ بهدوء. لم يكن عبدالله ينظر إلى ابنه عمر على أنه الوريث الطبيعي الذي يكفيه اسم أبيه، ولا كان…
وهنا تظهر بصيرة عبدالله التي تكاد تكون أعظم ما فعله سياسيًا وأخلاقيًا بعد التفجير. أسد الإسلام ليس تهديدًا لعمر، وعمر ليس ظلًا ثقيلًا على أسد الإسلام، بل كل واحدٍ منهما ضلعٌ من…
لم يكن عهد عبدالله عهد بكاءٍ ممتد على المقابر. وهذا الاتساع لم يأتِ من حرارة الثأر، بل من صلابةٍ باردة ناضجة. لم يعد الفتح عنده إثباتًا لنفسه كما قد يكون في أول عهود الرجال،
وفي كل هذا، كانت أمامة وراءه كما ينبغي. لم تدخل التاريخ بصوتٍ عالٍ، لكنها دخلت في صلب تماسكه. وكان هذا المعنى يتجلى في سنوات حكمه أكثر من أي وقت مضى.
رجلٌ رأى أباه وأمه وأخاه يُقتلون دفعةً واحدة، ثم لم يجعل الدولة مقبرةً للغضب، بل منارةً للعدل، وحملها ستًا وعشرين سنة،