لم يكن عهد عبدالله عهد بكاءٍ ممتد على المقابر.
وهذا الاتساع لم يأتِ من حرارة الثأر،
بل من صلابةٍ باردة ناضجة.
لم يعد الفتح عنده إثباتًا لنفسه كما قد يكون في أول عهود الرجال،
ولا صرخةً ضد الغدر،
بل صار جزءًا من تثبيت الدولة بعد الكارثة:
الخصوم ينبغي أن يعرفوا أن التفجير لم يكسرنا،
والحلفاء ينبغي أن يعرفوا أن البيت ما زال قادرًا على الحمل،
والبلاد ينبغي أن ترى أن الدم لم يصرفنا عن رسالتنا.
لذلك، تحركت حملاته بحساب،
وثبتت ثغوره بعمق،
وتقدمت حدوده من غير تهور،
ولم يكن في شيءٍ من ذلك رائحة استعراض الجراح.
بل رائحة رجلٍ عركته المقابر حتى صار لا يحب أن يخطئ.
وفي الوقت نفسه، لم يترك العدل يموت تحت ثقل العسكر.
كان يعرف أن الدولة إذا تحولت بعد التفجير إلى آلة أمنية فقط، خنت صفية وسعيدًا وعبدالملك معًا.
فأبقى الوقف،
وضبط القوانين،
وراجع الدواوين،
وأعاد كتابة بعض ما ينبغي أن يُقنَّن،
وحفظ أراضي الدولة والولايات والحقوق.