باب من الرواية

الباب الرابع: الثأر الذي أراد أن يدخل عليه

الفصل التاسع والثلاثون — عبدالله بعد التفجير

ما أسرع ما يدخل الثأر على الرجال إذا فُجِعوا.

وما أسهل أن يتزين عند بعضهم باسم الرجولة والوفاء والدم.

وكان عبدالله رجل ثغور، ورجل دم، ورجل سيوف، فلا عجب أن أول ما هاج في صدره بعد هدوء الصدمة شيءٌ حاد يشبه النار:

أن يطلب القتلة،

وأن يزلزل الأرض بهم،

وأن يجعل التفجير نارًا تأكل كل من امتدت إليه شبهةٌ ولو من بعيد.

لكنه كان ابن هذا البيت أيضًا.

ابن صفية من جهة المعنى،

وابن سعيد من جهة التربية،

وأخو عبدالملك الذي عرف كيف يغسل فتوحه بالخوف من الدم.

ولهذا لم يستسلم لهذه النار كما يستسلم الرجال الذين لا رصيد لهم إلا الغضب.

دخل عليه بعض القادة بعد أيام، وقال بعضهم —وكان مخلصًا في ألمه لكنه محدود البصيرة—:

— هذا يوم الحسم يا مولاي. لا تبقِ ولا تذر.

وقال آخر:

— الناس لن يحترموك إن لم تجعل الدم يردّ الدم أضعافًا.

وكان في الكلام ما يغري، لأن الجرح طازج، والقلب لم يبرد، والقاتل جبانٌ يستحق العقاب.

لكن عبدالله سكت طويلًا، ثم قال الجملة التي ستصير بعد ذلك مفتاح عهده كله:

— لا أريد أن أجعل البلاد مقبرةً لغضبي.

فساد المجلس.

ثم أضاف:

— أريد عدلًا يعرف من يضرب، ولماذا يضرب، وأين يتوقف.

وهذا هو الفارق كله بين دولةٍ تحمل ميتَيها فتشتعل بهما، ودولةٍ تحملهما فتتعلم منهما.

ولذلك، لم يلغِ القصاص،

ولم يترك الغدر يمرّ بلا ملاحقة،

لكنه بدأ من التحقيق، والتثبيت، وجمع الخيوط، وضبط الأبواب، لا من الهياج.

وكان من أول ما طمأن العقلاء في البلاد أن الرجل، مع كل ما وقع عليه، لم يحوّل الحزن إلى فوضى.