ثم وقع.
لا يحتاج الانفجار إلى زمنٍ طويل حتى يصنع دهرًا كاملاً في ذاكرة أمة.
لحظةٌ واحدة،
يتمزق فيها الهواء،
ويعلو فيها الصوت فوق كل صوت،
وترتجف فيها الأرض والصدور والعيون،
وتتحول الوسيلة التي كانت تحمل الحياة قبل ثوانٍ إلى بابٍ مفتوح على الموت.
انفجرت السيارة.
ولا تصف هذه الجملة وحدها ما وقع.
فالانفجار لم يكن نارًا فقط،
بل كان اقتلاعًا.
اقتلاعًا لثلاثة وجوهٍ من قلب الدولة في آنٍ واحد،
وضربةً للناس الذين رأوهم آخر مرة أحياء في صباحٍ عادي،
وللبيت الذي ظن أن التاريخ —بعد كل ما أخذه منه— قد يكتفي بهذا القدر.
ارتفع اللهب،
وتشظى المعدن،
وانشقت اللحظة على صراخٍ ورمادٍ وركضِ رجالٍ لا يريدون أن يصدقوا ما رأت أعينهم.
وكان بعضهم أول الأمر يتصرف بعقل من يظن أن النجاة ممكنة،
فيهرع،
ويحاول،
ويصرخ بالأسماء،
ويستدعي،
ويطفي،
ويقاوم رفضَ قلبه أن يكون ما يراه هو الحقيقة.
لكن الحقيقة كانت أسرع.
خرج الناس من حول الموضع لا وهمًا، بل خبرًا مفزعًا:
عبدالملك…
سعيد…
صفية…
اجتمعت الأسماء الثلاثة في الفجيعة نفسها، فلم يعد أحدٌ يستطيع أن يرتب حزنه على مهل.
فالبيت لم يُصب بطعنةٍ تليها طعنة، بل بصاعقةٍ واحدة.
وهكذا خرجوا من الدنيا معًا.
لا موتًا عاديًا،
ولا على هيئة افتراقٍ يسمح لكل قلبٍ أن يودع على حدة،