لم يكن ذلك اليوم يبدأ على صورة الأيام التي يُكتب فيها لأمةٍ أن تنكسر في ساعة.
لم تصحُ البوسنة على ريحٍ سوداء،
ولا على زلزلةٍ تُنذر من الفجر،
ولا على سماءٍ مقلوبة اللون،
ولا على وجوهٍ يمرّ عليها شحوبٌ يفضح ما سيقع بعد ساعات.
بل بدأ كما تبدأ الأيام التي تخدع الناس بظاهرها:
صباحٌ عاديٌّ في شكله،
أعمالٌ تتوزع في جهاتها المعتادة،
رسلٌ يذهبون ويجيئون،
مآذن تصدح،
خيول تُعدّ،
ومجلسٌ أو موضعُ انتقالٍ أو شأنٌ من شؤون الدولة لا يوحي في ظاهره أن الأرض نفسها قد فُخِّخت تحت أقدام لحظةٍ ستقسم التاريخ نصفين.
وكان هذا من أشد ما في الكارثة وجعًا:
أنها لم تأتِ معلنة نفسها كعدوٍّ يطرق الباب فتتهيأ له الأرواح،
بل جاءت في صورة الثقة نفسها.
في صورة الطريق الذي سلكوه من قبل،
أو السيارة التي حملتهم من قبل،
أو الموضع الذي لم يكن يحمل في ظاهره شيئًا من الجنون.
وكأن الخصوم، بعد أن عجزوا عن مواجهة عبدالملك في الميدان، وعن كسر صفية من الداخل، وعن إزاحة سعيد من المشورة والحضور، فهموا أخيرًا أن ضربتهم لا بد أن تكون ضربة غدرٍ مركزة؛
لا تطلب الغلبة الشريفة،
بل تطلب الفراغ.
وفي ذلك الصباح، كانت صفية أهدأ من المعتاد.
لم تكن ساكنةً سكون اللامبالاة، بل سكونَ من صلّى ليله طويلًا، وبقي في قلبه بعد الصلاة أثرٌ لا يستطيع تفسيره.
ورأت سعيدًا، فرأت عليه من السكينة ما أخافها من قبل،
ورأت عبدالملك، فوجدت فيه تماسك الرجال الذين حملوا البلاد حتى إذا بلغوا ذروتهم خفَّ عنهم الصراع مع أنفسهم وصار أثقل ما عليهم حفظ ما بين أيديهم.
وكانت نظراتها إليهما أطول من المعتاد، لكنّ أحدًا لم يقل:
ما بكِ؟
لأن البيوت الكبيرة تتعلم أن بعض الأسئلة يُفسدها النطق.
خرجوا.
وخرج معهم من البيت تاريخٌ كامل، لا أشخاص فقط.