الفصل التاسع والثلاثون

الفصل التاسع والثلاثون — عبدالله بعد التفجير

الرجل الذي أخذ الدولة من بين الركام، ولم يجعل قلبه المكسور يكسّرها معه

الباب الأول: اليوم الأول الذي لم يُسمح له أن يكون ابنًا فقط

في بعض المصائب، يُعطى الإنسان وقتًا ليبكي أولًا ثم يُسأل بعد ذلك: ماذا ستفعل؟

أما عبدالله، فلم يُعطَ هذا الترف.

ما إن انقضى هدير التفجير، وسقطت الأسماء الثلاثة دفعةً واحدة من سماء البيت، حتى وجد نفسه واقفًا على الحد الفاصل بين عالمين:

عالم الأخ الذي مات أخوه وأبوه وأمّه الروحية في لحظة واحدة،

وعالم الرجل الذي لا يجوز للدولة أن تنتظر حتى يفرغ من بكائه.

دخل المجلس الأول بعد الفجيعة ووجهه ليس وجهَ من تجمّد من قلة الحب، بل وجهَ من احترق من كثرته ثم أُجبر أن يغطي الجمر بكفّيه حتى لا تشتعل البلاد.

كانت عيون الرجال تنظر إليه لا كأخٍ مفجوع فقط، بل كآخر عمودٍ ظاهر بقي واقفًا.

وكان هذا في نفسه أشدّ من الخبر.

فالخبر أخذ منه أحبابه.

أما العيون فأخذت منه حقّه في أن ينهار.

وقف.

نظر في الوجوه.

ورأى فيها الذعر، والفراغ، ورغبةً خفية عند بعض الضعفاء أن يسألوه: هل انتهينا؟

فعرف أن أول كلمةٍ منه في هذه الساعة لا ينبغي أن تكون عزاءً ولا خطابًا، بل تثبيتًا.

قال:

— لا أريد فوضى.

ثم سكت لحظة، كأن الكلمات نفسها تحتاج أن تمرّ عبر الدم قبل أن تخرج، وأردف:

— احفظوا الأبواب، أَمِّنوا الدواوين، لا تدعوا الخبر يسبقنا إلى الثغور على هيئة انهيار، وأرسلوا إلى مكة والمدينة قبل أن يصل إليهما الوجع مشوّهًا.

كان صوته في تلك الساعة غريبًا حتى عليه.

فيه شيءٌ من عبدالملك،

وشيءٌ من صرامة سعيد،

وشيءٌ آخر لم يكن قد خرج فيه كاملًا من قبل:

حاكمٌ يولد من قلب الانفجار نفسه.

الباب الثاني: البيت بعد النار

عاد إلى البيت، أو إلى ما بقي من صورته المعنوية بعد أن فارقته أرواحه الكبرى، فوجد أن الحزن فيه لا يشبه الحزن في البيوت العادية.

لأن البيوت الصغيرة إذا مات منها واحدٌ أو اثنان، بقيت البقية تستند إلى ظلّ قديم معروف.

أما هذا البيت، فقد سقطت منه دفعةً واحدة:

صفية التي كانت روح الداخل،

وسعيد الذي كان عقل التأسيس،

وعبدالملك الذي كان عنوان المرحلة.

ولذلك لم يكن البكاء فيه بكاء فقدٍ فقط، بل بكاء فراغ.

كانت البنات جالسات في صمتٍ مكسور.

أصوات النساء منخفضة على غير العادة، لا أدبًا مع الميتين فقط، بل لأن الجدران نفسها بدت كأنها تنصت.

والصغار يتحركون في الأطراف بحذر الحيوان الجريح، يفهمون أن العالم انكسر، لكنهم لا يملكون بعدُ أسماء هذا الانكسار.

أما أمامة، فقد كانت تؤدي وظيفتها كما لو أن الله خلقها لهذه الساعات السوداء بالذات:

تضم من يجب أن يُضم،

وتسكت من يجب أن يهدأ،

وتحفظ البيت من أن يتحول الحزن فيه إلى فوضى.

دخل عبدالله، فرأتْه أمامة من أول لحظة.

لم تر فيه فقط الزوج الذي عاد من كارثة، بل الرجل الذي انتقل إلى مقامٍ آخر وهو ما يزال يلبس دخان اليوم على وجهه.

اقتربت منه، ولم تقل: كيف أنت؟

لأن بعض الأسئلة تظلم أصحابها إذا جاءت في وقتٍ لا يملك فيه الإنسان جوابًا.

قالت فقط:

— البيت ثابت.

فنظر إليها طويلًا، وكأن الجملة رفعت عن صدره جزءًا من حجر، ثم قال:

— الحمد لله.

وكانت هذه الجملة في تلك الليلة من أعظم ما احتاجه.

لا من يشاركه البكاء وحده،

بل من يحفظ له أن البيت ما يزال قائمًا.

الباب الثالث: الجنازة التي دفنت مرحلة

لم يشيّعوا ثلاثة أجساد فقط.

شيّعوا طورًا كاملًا من التاريخ.

مضى سعيد،

فدفنوا معه الرجل الذي حمل البذرة من بخارستان إلى البوسنة، ومن البيت الصغير إلى الدولة، ومن الرحمة الخاصة إلى معنى الأمة.

ومضت صفية،

فدفنوا معها القلب الذي جعل الداخل دولةً، والجرح الذي تحوّل إلى بصيرة، والمرأة التي رتبت الأوقاف والقرى والنساء والأيتام والبنات حتى صار العدل عند الناس شيئًا محسوسًا لا شعارًا.

ومضى عبدالملك،

فدفنوا معه الفتى الذي صار عهدًا، والملك الذي خرج من رحم الجبر إلى الفتح، ثم غسل الفتح بدم بيته فلم يغترّ.

وكان الناس في الجنازة لا يبكون بالطريقة نفسها.

بعضهم يبكي الدولة،

وبعضهم يبكي البيت،

وبعضهم يبكي نفسه؛ لأنه أحس أن صورة العالم التي تعوّدها قد زالت.

أما عبدالله، فكان واقفًا عند المشهد كله كمن يحمل قبورًا على كتفيه لا نعوشًا فقط.

كان يرى في القبور الثلاثة أشياء أكثر من الأسماء:

يرى طفولته،

والجبال،

والساحات،

وصوت صفية عند الليل،

ويد سعيد على كتفه في أول حمل السيف،

وصمت عبدالملك الطويل قبل القرارات،

ويرى أيضًا ما لا يستطيع أن يدفنه معهم:

الأمانة.

قال في سرّه، لا لسانًا:

— إن دفنتهم ودفنتُ معهم الدولة، خنتهم.

وكان هذا هو اليوم الذي بدأ فيه يتشكل حكمه الحقيقي.

الباب الرابع: الثأر الذي أراد أن يدخل عليه

ما أسرع ما يدخل الثأر على الرجال إذا فُجِعوا.

وما أسهل أن يتزين عند بعضهم باسم الرجولة والوفاء والدم.

وكان عبدالله رجل ثغور، ورجل دم، ورجل سيوف، فلا عجب أن أول ما هاج في صدره بعد هدوء الصدمة شيءٌ حاد يشبه النار:

أن يطلب القتلة،

وأن يزلزل الأرض بهم،

وأن يجعل التفجير نارًا تأكل كل من امتدت إليه شبهةٌ ولو من بعيد.

لكنه كان ابن هذا البيت أيضًا.

ابن صفية من جهة المعنى،

وابن سعيد من جهة التربية،

وأخو عبدالملك الذي عرف كيف يغسل فتوحه بالخوف من الدم.

ولهذا لم يستسلم لهذه النار كما يستسلم الرجال الذين لا رصيد لهم إلا الغضب.

دخل عليه بعض القادة بعد أيام، وقال بعضهم —وكان مخلصًا في ألمه لكنه محدود البصيرة—:

— هذا يوم الحسم يا مولاي. لا تبقِ ولا تذر.

وقال آخر:

— الناس لن يحترموك إن لم تجعل الدم يردّ الدم أضعافًا.

وكان في الكلام ما يغري، لأن الجرح طازج، والقلب لم يبرد، والقاتل جبانٌ يستحق العقاب.

لكن عبدالله سكت طويلًا، ثم قال الجملة التي ستصير بعد ذلك مفتاح عهده كله:

— لا أريد أن أجعل البلاد مقبرةً لغضبي.

فساد المجلس.

ثم أضاف:

— أريد عدلًا يعرف من يضرب، ولماذا يضرب، وأين يتوقف.

وهذا هو الفارق كله بين دولةٍ تحمل ميتَيها فتشتعل بهما، ودولةٍ تحملهما فتتعلم منهما.

ولذلك، لم يلغِ القصاص،

ولم يترك الغدر يمرّ بلا ملاحقة،

لكنه بدأ من التحقيق، والتثبيت، وجمع الخيوط، وضبط الأبواب، لا من الهياج.

وكان من أول ما طمأن العقلاء في البلاد أن الرجل، مع كل ما وقع عليه، لم يحوّل الحزن إلى فوضى.

الباب الخامس: أول سنة… كيف تُمسك الدولة من رقبتها حتى لا تختنق

كانت السنة الأولى بعد التفجير هي الأصعب بلا منازع.

ليس لأنها شهدت أخطر المعارك فقط، بل لأنها شهدت أخطر شيءٍ من نوع آخر:

هل تستطيع الدولة أن تستمر؟

وهذا سؤال أوجع من كثير من الحروب.

كان على عبدالله أن يمسك كل شيءٍ دفعةً واحدة:

الثغور حتى لا يطمع العدو،

والدواوين حتى لا تعبث بها الأيدي،

والأوقاف حتى لا يضيع فيها ما زرعته صفية،

والبيت حتى لا يتحول حزنه إلى انقسام،

والناس حتى لا يظنوا أن التفجير كسر روح البلاد،

والجيل الجديد حتى لا ينشأ على أن المأساة قدرٌ يسلب الإرادة.

لم يكن ينام إلا قليلًا.

يدخل مجلس الرجال،

ثم يخرج إلى ملفات الوقف،

ثم يراجع أخبار القرى،

ثم يقرأ ما يأتيه من مكة والمدينة،

ثم يختلي دقائق معدودات فقط، لا ليستريح، بل ليلملم قلبه كي لا يتشقق أمام الناس.

وفي إحدى الليالي، دخلت عليه أمامة بعد أن طال به السهر، فرأت أمامه خرائط، وسجلات، ورسائل، ووجهًا يكاد يتهشم من التعب.

فقالت:

— لا يمكنك أن تحمل البلاد كلها بيدين مذعورتين.

فنظر إليها، وكان يعرف أنها لا تقول هذا لتثنيه عن الواجب، بل لتذكّره أن الواجب نفسه يحتاج نفسًا لا تنهار.

فقال:

— إن تركتُ شيئًا اليوم، دخل منه الفساد غدًا.

فقالت:

— وإن انكسرتَ الليلة، دخل منه الفساد من كل باب.

وسكت.

ثم أخذ نفسًا طويلًا، وأبعد بعض الأوراق، وقال:

— اجلسي.

فجلست.

ولم تتكلم كثيرًا بعد ذلك.

وكان هذا هو الذي تحتاجه أرواح الرجال في مثل هذا المقام:

أن تجلس بجانبهم امرأةٌ تفهم أن السكون أحيانًا خدمة.

وفي تلك السنة، ابتدأ عبدالله عهده لا كمن يملك رفاهية الرؤية الطويلة، بل كمن يثبت أركان البيت واحدًا واحدًا قبل أن يفكر في الزينة أو الزيادة.

وكان هذا هو عين الحكمة.

لأن الدول إذا أصابها التفجير من القلب ثم حاولت أن تستأنف مجدها بالصوت، سقطت.

أما إذا بدأت بربط الجرح، ثبتت.

الباب السادس: صفية في مؤسسات الدولة… كيف حافظ عليها من أن تموت بموتها

وكان هذا أمرًا يمكن أن يضيع بسهولة.

فكثير من الرجال إذا ماتت المرأة المؤسسة في البيت أو الدولة، تعاملوا مع ما صنعته كأنه بعض آثار العاطفة التي يمكن تركها للزوال مع مرور الوقت.

لكن عبدالله لم يفعل ذلك.

كان يعرف من الداخل قبل الخارج أن الدولة التي فقدت صفية لا تحتمل أن تفقد معها بنيتها الأخلاقية أيضًا.

فإن ماتت الأوقاف أو ذبلت شبكات النساء أو ضعفت الصلة بين الداخل والحكم، صار التفجير قد نجح مرتين: مرةً في الجسد، ومرةً في المعنى.

لذلك استدعى القائمين على الوقف،

وشبكات الداخل،

والنساء اللواتي كنّ يدِ صفية الممتدة إلى البيوت،

وقال لهم في أول اجتماع:

— لا أريد أن أسمع بعد اليوم عبارة: كانت صفية تفعل هذا.

نظروا إليه في صمت.

فأكمل:

— أريد أن أسمع: الدولة تفعل هذا.

ثم قال بنبرةٍ هادئة لكنها فاصلة:

— إن مات الخير بموت صاحبه، فمعناه أنه لم يُبنَ حقًا.

وكانت الجملة كافية لأن يشعر الجميع أن عبدالله لا يكرّم ذكرى صفية بالبكاء عليها فقط، بل بتحويل ما صنعته إلى جزءٍ ثابت من بناء الدولة.

وهذا ما فعله فعلًا:

حفظ الأوقاف،

راجع دفاترها،

وسع مواضعها عند الحاجة،

أبقى للنساء بابًا منظمًا يصلن منه إلى الداخل،

ولم يسمح لكبار الدواوين أن يحتقروا ما كان يُنسب يومًا إلى “أعمال النساء”، بل جعله جزءًا من الدولة نفسها.

وفي هذا كله كان يحمل أمه الراحلة من غير أن ينطق باسمها كثيرًا.

كان يعرف أن أعظم البر بها الآن أن لا يترك الناس يقولون بعد أعوام:

ذهب الخير بموتها.

بل أن يقولوا:

جعل عبدالله الخير الذي رتبته صفية قانونًا حيًا.

الباب السابع: أسد الإسلام… الفتى الذي أخرجه من ثقل اليتم إلى ثقل الاستحقاق

لكن هذا لم يبدأ بأمرٍ إداري فقط، بل بدأ في البيت.

أسد الإسلام، بعد التفجير، كان ابنًا شهيد الأب،

شهيد الأم بالمعنى التربوي والروحي،

وابن البيت الجريح كله.

وكان من السهل على عبدالله أن يبقيه قريبًا بحجة الحماية،

أو أن يؤخر ظهوره حتى يهدأ الجرح،

أو أن يدفعه بسرعةٍ تهورًا ليُقال إن الدم ما زال حارًا.

لكنه لم يفعل هذا ولا ذاك.

بل فعل الأصعب:

أخرجه من ثقل اليتم إلى ثقل الاستحقاق.

أخذه معه إلى المجالس التي ينبغي أن يسمع فيها لا أن يتكلم،

ثم إلى الأقاليم التي ينبغي أن يرى فيها الناس لا أن يراه الناس فقط،

ثم إلى ملفات الثغور الصغيرة،

ثم إلى حملة محدودة لا تبتلعه إن أخطأ ولا تفسده إن نجح.

قال له مرةً بعد عودته من أول مهمةٍ أو إقليم:

— لا أريد الناس أن يقولوا: هذا ابن عبدالملك فقط.

فقال أسد الإسلام:

— وأنا لا أريد ذلك.

فقال عبدالله:

— إذن اصنع لهم ما يجعلهم يقولون: هذا رجل.

وكانت هذه الجملة من أجمل ما صنعه به.

لم يتركه يعيش على اسم أبيه،

ولم ينتزع منه الاسم،

بل علّمه كيف يجعله بابًا لا سقفًا.

لا لأن الاسم يلمع،

بل لأنهم رأوا فيه فعلًا وقار أبيه، مع شيء من حذر عبدالله، كأن الرجلين قد تزوجا فيه على صورة شاب.

الباب الثامن: عمر بن عبدالله… الابن الذي كان يُبنى لا ليرث أباه فقط، بل ليكمّل السلسلة

وفي الجهة الأخرى كان عمر بن عبدالله يشتد.

لكن قبل هذا التحديد الزمني، كان البناء يبدأ بهدوء.

لم يكن عبدالله ينظر إلى ابنه عمر على أنه الوريث الطبيعي الذي يكفيه اسم أبيه،

ولا كان يريده أن يكبر في بيت الحكم كسائر أبناء السلاطين الذين يختلط عليهم الخدم بالرجال، والأمر بالتجربة، والاسم بالاستحقاق.

بل كان يدفعه، منذ بواكير شبابه، إلى الأرض نفسها التي مشت عليها الأقدام الكبيرة قبله:

الثغر،

والفرس،

والانتظار،

وصحبة الرجال الذين لا يكبرون الصبي لأن أباه حاكم، بل لأن فيه شيئًا يستحق.

وكان عمر مختلفًا عن أسد الإسلام، كما ينبغي لكل سلسلة صادقة لا تكرر نسخها.

فيه صلابة أبيه،

لكن مع قدرٍ من التأمل الهادئ،

وفيه حذر يجعله يقرأ المواقف بعمق قبل أن يتحرك.

وكان عبدالله يعرف هذا، لذلك لم يربّه على المنافسة مع أسد الإسلام، بل على التكامل معه.

قال له مرةً وهو يعيده من الثغر بعد يومٍ طويل:

— لا أريدك أن تنظر إلى أسد الإسلام كخصم.

فقال عمر:

— لا أفعل.

فقال:

— أريدك أن تعرف لماذا لا ينبغي أن تفعل.

فسكت الفتى.

فأكمل عبدالله:

— لأن البيت إذا انقسم بعد هذه الدماء إلى فرعين متخاصمين، خُنَّا كل من مات قبلنا.

وكانت هذه الجملة، على ثقلها، هي الخيط الذي حفظ السلسلة بعد ذلك كله.

ولهذا، حين قرّب عبدالله أسد الإسلام، كان في الجهة الأخرى يقرب عمرًا أيضًا، لكن لا على صورة التحدي المتبادل، بل على صورة المدرسة الواحدة التي تحتاج ضلعين:

عقلٌ يتأمل، وقوةٌ تمسك.

الباب التاسع: البيت واحد

وهنا تظهر بصيرة عبدالله التي تكاد تكون أعظم ما فعله سياسيًا وأخلاقيًا بعد التفجير.

أسد الإسلام ليس تهديدًا لعمر،

وعمر ليس ظلًا ثقيلًا على أسد الإسلام،

بل كل واحدٍ منهما ضلعٌ من المرحلة المقبلة.

وكان هذا أمرًا يسهل قوله، ويصعب فعله.

لأن البيوت الكبيرة بعد الكوارث تميل بطبيعتها إلى الانقسام:

فرع الشهيد،

وفرع الناجي،

أبناء الدم،

وأبناء الحكم،

ورجال العاطفة،

ورجال الدولة.

وكم أكل هذا السمّ بيوتًا عظيمة عبر التاريخ.

لكن عبدالله عرف مبكرًا أن خصومه قد ينهزمون بالسيف ولا ييأسون من انتظار يومٍ تنقسم فيه السلسلة على نفسها.

فأغلق الباب قبل أن يُفتح.

في المجالس،

وفي التعيينات،

وفي توزيع المهام،

وفي طريقة الحديث أمام الناس.

إذا ذُكر أسد الإسلام ذكر معه عمر.

وإذا بُني لواحدٍ مجال، فُتح للآخر مجالٌ يناسبه.

وإذا أثنى رجل على أحدهما بما يوحي بالمقارنة، ردّه عبدالله إلى معنى التكامل لا التنافس.

وفي أحد المجالس قال رجلٌ من أهل الثغور، يريد المدح لكنه لا يدري ما يفتح بكلمته:

— أسد الإسلام أحقّ بالواجهة من غيره، فهو ابن عبدالملك الشهيد.

فسكت المجلس لحظة.

ثم قال عبدالله بهدوءٍ حازم:

— وهو أهلٌ للواجهة بما فيه، لا فقط بما له.

ثم أضاف بعد لحظة:

— وعمر أيضًا أهلٌ لما يُهيأ له.

فأغلق الباب.

الباب العاشر: الفتح والعدل في عهده

لم يكن عهد عبدالله عهد بكاءٍ ممتد على المقابر.

وهذا الاتساع لم يأتِ من حرارة الثأر،

بل من صلابةٍ باردة ناضجة.

لم يعد الفتح عنده إثباتًا لنفسه كما قد يكون في أول عهود الرجال،

ولا صرخةً ضد الغدر،

بل صار جزءًا من تثبيت الدولة بعد الكارثة:

الخصوم ينبغي أن يعرفوا أن التفجير لم يكسرنا،

والحلفاء ينبغي أن يعرفوا أن البيت ما زال قادرًا على الحمل،

والبلاد ينبغي أن ترى أن الدم لم يصرفنا عن رسالتنا.

لذلك، تحركت حملاته بحساب،

وثبتت ثغوره بعمق،

وتقدمت حدوده من غير تهور،

ولم يكن في شيءٍ من ذلك رائحة استعراض الجراح.

بل رائحة رجلٍ عركته المقابر حتى صار لا يحب أن يخطئ.

وفي الوقت نفسه، لم يترك العدل يموت تحت ثقل العسكر.

كان يعرف أن الدولة إذا تحولت بعد التفجير إلى آلة أمنية فقط، خنت صفية وسعيدًا وعبدالملك معًا.

فأبقى الوقف،

وضبط القوانين،

وراجع الدواوين،

وأعاد كتابة بعض ما ينبغي أن يُقنَّن،

وحفظ أراضي الدولة والولايات والحقوق.

الباب الحادي عشر: أمامة في ظهره

وفي كل هذا، كانت أمامة وراءه كما ينبغي.

لم تدخل التاريخ بصوتٍ عالٍ،

لكنها دخلت في صلب تماسكه.

وكان هذا المعنى يتجلى في سنوات حكمه أكثر من أي وقت مضى.

لأن الرجل إذا حمل دولةً بعد تفجير،

وثار له قلبه،

ولم يجد في البيت امرأةً تحفظ له توازنه،

فإن الصلابة قد تنقلب فيه قسوة،

والعدل قد ينقلب انتقامًا مؤجلًا.

لكن أمامة كانت تعرف كيف تقف في الموضع الصحيح:

لا تعظه كما لو كان صبيًا،

ولا تتركه كما لو كان حجرًا،

بل تذكّره بنفسه الأصلية إذا كاد التعب يبتلعها.

تراه أحيانًا وقد عاد من مجلس ثقيل،

فتدعه يسكت أولًا،

ثم تدفع إليه كلمةً واحدة إذا أحسّت أن الصمت طال به حتى بدأ يؤذيه.

وتراه إذا ثقل على البيت كله، فتقرّب إليه عمرًا الصغير أو من بعده، لا ليذيب صلابته، بل ليذكره أن الحكم ليس كل ما في الدنيا.

وفي إحدى الليالي، بعد سنة أو أكثر من التفجير، قال لها وهو ينظر إلى عمر نائمًا:

— لولاكِ لصرتُ أشدّ من أن أصلح لما أنا فيه.

فقالت وهي ترتب الغطاء على الطفل:

— ولولا الله ثم ما فيك من خوفه، لكان حزنك قد أفسدك من زمان.

ثم أضافت:

— أنا فقط أذكرك بما أنت عليه، لا بما تصير إليه إذا استسلمت للدم.

وكانت هذه الجملة خلاصة زواجهما كله.

الباب الثاني عشر: الخاتمة… الرجل الذي حمل الدولة وقلبه مثقوب

رجلٌ رأى أباه وأمه وأخاه يُقتلون دفعةً واحدة،

ثم لم يجعل الدولة مقبرةً للغضب،

بل منارةً للعدل،

وحملها ستًا وعشرين سنة،

ووسعها،

وحفظ مؤسسات صفية من الموت،

وأعاد كتابة قانونها،

وقرّب أسد الإسلام وعمر بن عبدالله معًا،

وأصرّ أن البيت واحد لا فرعان متنافسان،

ثم سلّم الحكم كما ينبغي أن يُسلَّم.

ولذلك لا ينتهي هذا الفصل على صورة رجلٍ نجا من الكارثة فقط،

بل على صورة رجلٍ حوّل الكارثة إلى مدرسة دولة.