باب من الرواية

الباب الثامن: عبدالله والبلاد… من الأخ إلى الحاكم في ساعة

الفصل الثامن والثلاثون — الاستشهاد العظيم

من أوجع ما في الكوارث الكبرى أنها لا تترك للناس الزمن الطبيعي للانتقال.

لا يموت الرجل اليوم، ثم تعقد الأمة شأنها غدًا أو بعد غد،

ولا يُدفن الأب أولًا، ثم يُهيأ الابن لما بعده.

بل تقذف ببعض الرجال دفعةً واحدة من مقامٍ إلى مقام.

وهذا ما وقع لعبدالله.

في الصباح كان أخًا كبيرًا، وركنًا من الأركان، وثغرًا من الثغور،

وفي المساء صار الحامل الأول للدولة.

لا باختيارٍ مريح،

ولا بتدريجٍ يرفق بالقلب،

كان عليه في الساعات الأولى أن يفعل ما لا يفعله إلا الرجال الذين رُبّوا من قبل لأيامٍ كهذه:

أن يثبت الناس،

ويمنع الانفلات،

ويحفظ أخبار الحرمين،

ويرسل إلى مكة وإلى المدينة،

ويؤمِّن الثغور حتى لا يظن الخصوم أن الضربة حققت هدفها الأكبر،

ويحفظ البيت من أن ينهار،

ويبدأ —في الوقت نفسه— حمل الاسم.

ولم يكن في شيءٍ من هذا شهوةُ ملك.

بل كان العكس تمامًا.

كان يشعر أن الحكم اليوم لا يجلس على كتفيه كوشاح،

بل يهبط عليه كجبل.

قال له بعض الرجال في أول مجلس بعد تثبيت الخبر:

— البلاد تحتاجك الآن يا مولاي.

فكره العبارة في تلك اللحظة.

ليس لأنها غير صحيحة،

بل لأنها قالت “مولاي” في ساعةٍ لم يكن يريد فيها أن يكون شيئًا إلا أخًا يبكي.

لكنه لم يملك هذا الترف.

فرفع رأسه، وقال:

— احفظوا البلاد… ثم تكلموا.

وكان هذا أول إعلانٍ أن الرجل دخل عبدالله بعد التفجير حقًا.