هنا قيل لها يومًا إن ابنتها ماتت،
وهنا عادت بعد سنين فعرفت أن ابنتها لم تمت،
وهنا رأت واحدًا من نسلها إمامًا للحرم،
وهنا أغمضت عينيها أخيرًا.
ولم يكن موتها فجأةً صاخبة، بل أشبه بخاتمة هادئة لروحٍ عاشت طويلًا على قدرٍ ثقيل.
بدأ التعب عليها في أيام الزيارة الأخيرة يظهر أوضح.
ليس مرضًا عاصفًا، بل وهنٌ رفيق، كأن الجسد الذي صبر طويلًا، ثم رأى ما أراد، بدأ يتخفف من الأثقال أخيرًا.
دخل عليها محمد في يومها الأخير، فوجدها ساكنةً على نحوٍ يعرفه أهلُ المحاريب:
هدوءُ من لم يعد بينه وبين الله شيءٌ من الاعتراض.
جلس قريبًا منها، فقالت وهي تنظر إلى وجهه:
— الحمد لله… رأيتك.
فقال:
— أبقاكِ الله لنا يا جدتي.
فابتسمت ابتسامةً فيها من الصفاء أكثر مما فيها من التعلق، وقالت:
— لقد رأيتُ ما يكفي لقلبي.
ثم سكتت قليلًا، وأضافت:
— إذا كتبتَ اللهَ في صلاتك، فاكتب معه المكسورين دائمًا.
فهزّ رأسه، وعرف أن الجملة ليست نصيحة عامة فقط، بل ميراثٌ من امرأةٍ عاشت الانكسار أولًا ثم الجبر.
وفي ذلك اليوم نفسه، أو بعده بقليل، فاضت روحها.
ولم يكن وقع موتها في المدينة وقع موتٍ عادي على من حولها.
فقد كانت المدينة نفسها تشهد إغلاق الدائرة:
هنا كان الجرح،
وهنا جاء البرهان،
وهنا جاءت الخاتمة.
وهذا ما يجعل موتها في الرواية موتًا دلاليًا عظيمًا، لا خبرًا عابرًا فقط.