باب من الرواية

الباب التاسع: محمد في محرابه بعد الجنازة

الفصل الثاني والثلاثون — مريم أم صفية في المدينة

أما محمد، فلم تنتهِ وفاة مريم عند الصلاة عليها.

بل دخلت إلى محرابه نفسه من بعد ذلك.

صار إذا وقف في المكان الذي كانت تنظر إليه بعيني الرضا وهي تزوره، يشعر أن صوته يحمل شيئًا من نَفَسها الأخير.

وفي إحدى الرسائل التي بعث بها إلى البوسنة بعد ذلك، لم يكثر الكلام عن الحزن بصيغته العامة، بل كتب معنىً أعمق:

أن جدته ماتت وهي مطمئنة،

وأن المدينة ردّت إليها برهان قلبها قبل أن تقبض روحها،

وأن صلاته عليها كانت من أثقل ما مرّ به، لا لأن الجنازة عظيمة فقط، بل لأن الموضع نفسه كان يحمل من تاريخها ما لا يجهله.

ولما قرأت صفية الرسالة، بكت مرةً أخرى.

لكن هذه المرة كان في بكائها شيءٌ من السكينة أيضًا، لأن ابنها لم يحمل إليها خبر الموت وحسب، بل حمل إليها هيئة الموت كذلك:

موتًا في موضعٍ كريم،

وبعد رؤيةٍ مكتملة،

وفي جوار حفيدٍ إمام.