باب من الرواية

الباب الثامن: الجيل الأول يتساقط… والبيت يتعلم كيف يمشي ومعه مقابره

الفصل الثاني والثلاثون — مريم أم صفية في المدينة

وهذا هو المعنى الكبير الذي استقر في البيت بعد هذه الفصول الثلاثة من الفقد:

استشهاد تقي الدين،

ثم وفاة فاطمة أم سعيد،

ثم وفاة مريم أم صفية.

صار البيت يعرف أنه لم يعد في الجيل الأول إلا من بقي يحمل الأصداء أكثر مما يحمل الأشخاص.

وصار عبدالملك وعبدالله وبقية الأبناء والبنات يرون بوضوح أن البلاد التي بين أيديهم لم تأتهم مصقولةً من السماء بلا تعب، بل خرجت من بطون النساء، ومن ركوع الرجال، ومن دم الشهداء، ومن صبر الأمهات، ومن قلوبٍ دفنت أحبابها ثم مضت.

وكان هذا من أعظم ما قوّى العهد، لا ما أضعفه.

لأن الدولة التي تتسع من غير ذاكرة موتٍ كريمة قد تتيه،

أما الدولة التي تمشي ومعها قبور أهل الفضل، فإنها تصير أقل قابليةً للغفلة.

قال عبدالملك لأحمد بعد وفاة مريم بأسابيع:

— لم يعد عندنا من الجيل الأول كثير.

فقال أحمد، وقد نضجت فيه الحدة القديمة وصارت أقرب إلى الصلابة:

— لكنهم ما زالوا فينا.

فهزّ عبدالملك رأسه وقال:

— نعم… وهذا هو الذي يخيفني ويطمئنني معًا.

— كيف؟

— يطمئنني لأننا لا نمشي وحدنا، ويخيفني لأن من يمشي ومعه هذا الإرث لا يحق له أن يصير صغيرًا.

وكانت هذه الجملة تصلح أن تُكتب على صدر هذا الطور كله.