باب من الرواية

الباب السادس: خبر يعود إلى صفية… الطفلة المسروقة تبكي في داخل المرأة

الفصل الثاني والثلاثون — مريم أم صفية في المدينة

حين عاد خبر موت مريم إلى البوسنة، لم يكن وقعه على صفية كموت فاطمة أم سعيد.

مع فاطمة، بكت صفية امرأةً فقدت سندًا من أسانيد البيت الكبير.

أما مع مريم، فبكت الطفلة المسروقة في داخلها.

وهذا هو الفارق كله.

فاطمة كانت أمًّا ثانية،

وسندًا،

ورحمةً،

وجذرًا من جذور البيت.

لكن مريم كانت شيئًا لا يمكن لامرأةٍ أخرى أن تقوم مقامه أبدًا:

كانت الأصل.

كانت أول نداءٍ صحيح،

وأول دمٍ عرفها،

وأول حضنٍ ضاع ثم عاد،

وأول موضع استطاعت فيه صفية أن تقول:

يا أمي

من غير استعارة،

ولا تردد،

ولا خوف من أن يكون الاسم خطأ.

فلما جاء خبر موتها، شعرت صفية أن الطفلة القديمة فيها هي التي وقعت على الأرض، لا المرأة التي أدارت بيوتًا وبلادًا ووقوفًا.

بكت لأنها لم تعش معها العمر كله.

بكت لأن الحليب القديم الذي انفجر يوم اللقاء لم يطل مقامه كما تشتهي الأمهات والبنات.

جلست يومها وحدها طويلًا، ولم تدخل عليها النساء أول الأمر.

كانت تحتاج أن تبكي مريم من الداخل، لا أن تستقبل عزاء البيوت الكبير.

وضعت رأسها على يديها، وسالت دموعها بصمتٍ طويل، ثم قالت الجملة التي كانت تختصر وجعها كله:

— لقد ذقتها… ثم أخذها الله.

ولم تكن تقولها اعتراضًا، بل لوعةً.

ثم أتبعتها بعد حين، وكأن الله ردّ إليها توازن القلب من داخل الدمع:

— لكنها عرفتني… وماتت وهي مطمئنة أن الله لم يضيعني.