باب من الرواية

الباب الخامس: الفتح الأول الكبير… حين عبرت البوسنة من الدفاع إلى المبادرة

الفصل الثلاثون — الفتح بعد الفقد

بعد هذا الدم الأول، لم تتراجع البلاد.

بل إن ما وقع فيها كان على العكس:

كأن الفقد صقلها،

لا كسرها.

وكأن الرايات حين شربت أول قطرة من دم البيت، صارت أعظم معنىً وأثقل صدقًا.

وهنا دخلت الفتوح طورًا جديدًا بالفعل.

لم تعد تحركاتٍ محدودة تختبر الخصوم أو تحفظ الأطراف فقط، بل صارت ضرباتٍ محسوبة تخرج من الدفاع إلى المبادرة.

كان عبدالملك قد عرف مواضع خصومه، ومواطن ضعفهم، والخلل في بعض تحالفاتهم، كما عرف حدود بلاده من الداخل بما يكفي ليطمئن أن ما وراءه ليس فراغًا.

فقرر أن أول الاتساع الحقيقي يجب أن يكون ضربًا مدروسًا لا تهورًا.

عقد مجلسًا موسعًا من رجال الثغور والخرائط واللوجستيات، لكنه لم يجعله مجلس ضجيج عسكري فقط.

كان فيه أهل رأيٍ من جانب الوقف والمخازن، ورجال يعرفون الطرق، واثنان من أهل القرى التي ستتأثر بحركة الجيوش، حتى لا تنقلب المبادرة الخارجية إلى استنزاف داخلي.

وكان هذا من سماته الخاصة:

أن الفتح عنده لا يُفصل عن خبز الناس.

قال لهم:

— لا أريد خطوةً تفتح مدينةً وتكسر عشر قرى وراءها.

ثم أردف:

— ولا أريد نصرًا نكتبه في الدواوين، ثم نبكيه في الأسواق.

فساد المجلس هيبةً.

لأن الرجال فهموا أن عبدالملك لا يقيس الحرب من جهة صورة الراية وحدها، بل من جهة ما يبقى بعدها.

خرجت الحملة الأولى الكبرى بعد ذلك على هذا الأساس.

وكان عبدالملك فيها حاضرًا، لا غائبًا وراء التقارير.

وقف على الربى، وتقدم في المواضع التي يلزم أن يراه الرجال فيها، وتراجع في المواضع التي يلزم أن يترك القيادة الميدانية للقادة حتى لا يربك حسن التدبير بحضور الاسم فقط.

وكان هذا من نضجه أيضًا:

أن يعرف متى يكون وجوده قوة، ومتى يكون ثقلًا.

وجاء الظفر.

لا ظفرًا أسطوريًا يبدل خرائط الدنيا في يومٍ واحد، لكن فتحًا حقيقيًا أعلن أن البوسنة لم تعد بلدًا يحمي نفسه فقط، بل بلدًا يمد يده إلى ما وراء حدوده إذا وجب.

وعاد الناس في الداخل يستقبلون الأخبار هذه المرة بشعورين معًا:

الفرح،

والخشية.

فقد دخل الفتح بيتهم من بابٍ لم يعد بريئًا من الدم.