باب من الرواية

الباب السابع: المدينة في وجدان البيت

الفصل الثاني والثلاثون — مريم أم صفية في المدينة

بعد موت مريم، تغيّر معنى المدينة في وجدان البيت مرةً أخرى.

لم تعد فقط موضع الولادة الأولى لعبدالملك،

ولا موضع الجرح الأول لصفية،

بل صارت أيضًا موضع وفاة الأم التي كانت أصل الجرح وأصل الجبر معًا.

ولادة عبدالملك،

ثم وفاة مريم،

ثم لاحقًا موت محمد ساجدًا في الحرم النبوي.

وكانت هذه التكرارات في وعي صفية لا تُقرأ كمصادفاتٍ مبعثرة، بل كأن المدينة ظلّت طوال حياتها تمسك أول الخيط وآخره.

ولذلك قالت بعد أيام من خبر أمها لعبدالملك:

— المدينة ليست عندي بلدًا يا بني… المدينة عندي قدر.

فقال وهو يسمع منها على غير عادته صدى الطفلة لا صدى المرأة فقط:

— أتعنين ما فيها من الألم أم الجبر؟

فقالت:

— كليهما.

ثم أضافت:

— وبعض الأمكنة لا يعطيك الله فيها شيئًا خالصًا من نوعٍ واحد. يعطيك الجرح والدواء في الموضع نفسه، حتى تعرف أن الأمر كله بيده.

وكان هذا التعليم من نوعٍ لا تعطيه الكتب السياسية ولا دروس الفروسية، بل تعطيه السيرة الطويلة حين تختلط فيها الأرض بالقدر.